« لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً » .
( الكهف / 62 )
« أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ »
( ص / 41 )
« لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ » .
( التوبة / 120 )
وقد اختلف في تفسير الآية على أقوال : قال في المجمع 10 / 478 : فيه وجوه .
أحدها : إنّ المعنى عاملة في النار ناصبة فيها . عن الحسن وقتادة قالا : لم يعمل للّه - سبحانه - في الدنيا فأعملها وأنصبها في النار بمعالجة السّلاسل والأغلال . قال الضحّاك : يكلّفون ارتقاء جبل من حديد في النار . وقال الكلبيّ : يجرّون على وجوههم في النّار . وثانيها : إنّ المراد عاملة في الدنيا بالمعاصي ، ناصبة في النّار يوم القيامة . عن عكرمة والسدّيّ . وثالثها : عاملة ناصبة في الدنيا ، يعملون وينصبون ويتعبون على خلاف ما أمرهم اللّه تعالى به . وهم الرهبان وأصحاب الصّوامع وأهل البدع والآراء الباطلة ، لا يقبل اللّه أعمالهم في البدعة والضّلالة وتصير هباء .
أقول : الوجهان الأوّلان ، خاليان عن الدليل بحسب ظاهر الآية وبحسب أدلّة شرعيّة أخرى أيضا . فلا يجوز الأخذ بهما في باب التفسير . على أنّ موقف العمل والجدّ والتّعب هو في الدنيا ، والدار الآخرة دار مجازاة ومكافاة ، فلا محصّل للعمل والتّعب فيها . وسنشير - إن شاء اللّه - أنّ قوله :
« تَصْلى ناراً حامِيَةً »
إنّما هي مجازاة لما عمل في الدنيا ، لا أنّ العمل والتعب مجازاة له .
وأمّا القول الأخير ، فقد أصاب من حيث إنّ موطن العمل والجدّ والتعب في الدنيا . واختار هذا الوجه في المجمع وحمل عليه الرّوايات المفسّرة للمقام . ويرد عليه أنّه لا دليل على تقييد إطلاق الآية بأعمال أهل البدع والضّلال ؛ بل يجب الأخذ بإطلاقها وشمولها لكلّ عمل باطل أو حابط ثوابها وجزاؤها .
توضيح ذلك : إنّ أعمال العاملين من كلّ فرقة ونحلة ، قد تكون فاقدة للشّرائط المأخوذة من اللّه - سبحانه ؛ وأخرى تكون واجدة لجميع شرائط الصحّة ، فاقدة لشرائط القبول . فهذه أيضا لا تصل إلى اللّه . وقد ضلّ سعيه وخسر في تجارته ؛ وليس عاملها من أهل الآية الثّامنة في هذه السّورة :
« لِسَعْيِها راضِيَةٌ » .
هذا كلّه في الحسنات التعبّديّة .