الثانية : لا يخفى أنّه لا محصّل للمقايسة بين الدنيا الزائلة والآخرة الخالدة ، كي يقال إنّ الآخرة أفضل وأبقى . ضرورة أنّ المقايسة بين شيء وشيء ، متوقّفة على ثبوت أصل المشاركة في الفضل والزيادة في الآخر ، كي يكون أحدهما أفضل من قرينه . والدنيا المذكورة في الآية الكريمة هي الّتي أخذها أبناؤها وعبدتها بدلا من مرضاة اللّه - سبحانه - وعن الدار الآخرة الدائمة الباقية . وهي دنيا ملعونة عند اللّه - سبحانه .
وما هي إلّا لماظة لفظها فم فاجر بعد فاجر ، ليست لها فضيلة كي تقاس بدار كرامة اللّه الّتي لا تفنى ولا تزول .
فعلى هذا يكون المعنى : إنّ الآخرة أبقى وأفضل في حدّ نفسها وخير لمن عمل لها وسعى لأجلها وزهد في الدنيا زهد الرّاحل عنها .
الثالثة : واضح عند أولي الأبصار أنّه لا مقايسة بين الدنيا الّتي هي طريق إلى الآخرة وبين الآخرة . فإنّ الدنيا دنياوان : دنيا ملعونة ، ودنيا بلاغ . والثانية هي الطريق إلى الآخرة وبلاغ إليها . فلا تعقل المقايسة والمفاضلة بين الطريق وذي الطريق . لأنّ مرجعهما إلى أمر واحد ، والأوّل فان في الثاني .
فقد اتّضح أنّ الآية في مقام الرّدع والمنع عن إيثار الدنيا على الآخرة ، وفي مقام الدعوة والترغيب إلى الآخرة ، وليست في مقام ترجيح الآخرة على الدّنيا . ولا يصحّ أن يقال إنّ الآية في مقام ترجيح الآخرة على الدنيا ، مع أنّ الآخرة أبديّة دائمة مع قطع النظر عن فضيلة الآخرة . لأنّ القرآن إنّما يعتمد في بلاغة وبيانه على الواقع والحقيقة ، لا على الوهميّات الواهية الكاذبة .
قوله تعالى :
« إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى ( 18 ) صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى
( 19 ) » .
الظّاهر أنّ « هذا » إشارة إلى ما تفيده هذه الآيات الأربع . أي : إنّ حكمه تعالى بالفلاح والنّجاح لمن تطهّر وتزكّى وذكر اللّه ومجّده وعظّمه وقدّسه ، وكذلك التوبيخ والتشنيع على من أدبر عن الآخرة وأكبّ على الدّنيا ، مكتوب في الصّحف السّماويّة السّابقة ؛ صحف المكرّمين والمقرّبين من الأنبياء والمرسلين .