أقول : لا يبعد أن يقال - واللّه يعلم - : إنّ المراد ما ذكره في المجمع أنّ حياته كحياة من كان في سكرات الموت يقاسي شدائدها ويدرك جميع آلامها ويعذّب بها خالدا في العذاب .
قوله تعالى :
« قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ( 14 ) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى
( 15 ) » .
بيان : الأمور الثلاثة المذكورة في الآية مطلقة . فالتزكّي بمعنى التطهّر والتخلّص ، مطلق من حيث متعلّقه ؛ أي : من جهة المال والأخلاق . وكذلك الذكر مطلق من حيث متعلّقه ؛ أي : تسبيح وتمجيد وثناء وركوع وسجود . وكذلك الصّلاة من حيث أنواعها ؛ أي : التوجّه كصلاة فريضة أو نافلة ، أو دعاء ، أو ركوع وهكذا . وهذه مطلقات في معرض التقييد بكلّ ما يصلح أن يكون قيدا حتّى يتعيّن المراد منها بعد انضمام القيود بها .
إذا تقرّر ذلك فنقول : قد وردت روايات عن أئمّة أهل البيت - عليهم السّلام - أنّ المراد من التزكية زكاة الفطرة والمراد من الصّلاة صلاة العيد ، على ما سيجيء بيانه - إن شاء اللّه . واستشكل عليه بأنّ السّورة مكّيّة لا صلاة عيد ولا فطرة هناك .
وقال في المجمع 10 / 476 : يحتمل أن يكون نزلت أوائلها بمكّة وختمت بالمدينة .
أقول : كون السّورة مكّيّة أو مدنيّة ، استنادا إلى رواية ابن عبّاس وأمثاله ، مسألة تاريخيّة . والاعتماد على هذه الروايات إنّما هو من باب الاعتماد على التاريخ . وأمّا الاعتماد على السّنن المرويّة عن النبيّ وعن أئمّة أهل بيته - عليهم السّلام - بطرق الآحاد الثقات ، إنّما هو من حيث كونها حجّة شرعيّة يجب الأخذ بها في باب الأحكام الشّرعيّة ، على ما هو المقرّر في علم الأصول .
فلا يجوز تصوير المعارضة بين الحجج الشّرعيّة والآحاد التاريخيّة . فإنّ ذلك يرجع إلى تصوير التعارض بين الحجّة واللّاحجّة . فلا إشكال في وجوب الأخذ بهذه الروايات الدالّة على أنّ المراد من التزكّي زكاة الفطرة ، ومن الصّلاة صلاة العيد .
في الفقيه 1 / 119 : روى حمّاد بن عيسى ، عن حريز ، عن أبي بصير وزرارة