فإن قلت : إنّ قوله :
« تَزَكَّى »
فعل ماض من باب التفعّل ، وهو يستعمل لازما . فكيف يستدلّ بها على وجوب إخراج المال زكاة عن البدن ، أو طهارة للمال ، أو تطهيرا للنفس عن الرذائل بالورع والتقوى وبالمجاهدات الشرعيّة بالمراقبة والمواظبة على النفس ؟
قلت : نعم ؛ إلّا أنّ الظّاهر أنّ العناية الملحوظة في هذا التعبير هو قبول النّفس الطرق والسّنن المقرّرة لتأديب النفس وتزكيتها وتصفيتها من قبل الشّارع ، وهكذا السّنن الثابتة الّتي أدرك حسنها وقبحها أو وجوبها وتحريمها بعقله . فقبول النفس ما أدركه في باب المستقلّات العقليّة طهارة وزكاة وصفاء لها .
وكذلك في باب إخراج زكاة الفطرة وزكاة المال تعبّدا . فإنّ في قبول ذلك والإيمان به وفي امتثال أمر الشّارع بها ، طهارة وزكاة لنفس العامل . فيكون مآل الكلام : إنّ اللّه - سبحانه - أمره بتزكية نفسه بهذه الأعمال ، فآمن وعمل وتطهّر وتزكّى .
وقوله تعالى :
« وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى »
يصحّ أن يقال : إنّ المراد هو الذكر المطلق . ويكون عطف الصّلاة عليه من باب عطف الخاصّ على العامّ ، اهتماما واعتناء بشأن الخاصّ .
قوله تعالى :
« بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا ( 16 ) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى
( 17 ) » .
بيان : تنقيح البحث في المقام في ضمن مسائل :
الأولى : الظّاهر أنّ الآية الكريمة في مقام التعريض والتوبيخ على الّذين أعرضوا عن كسب الفلاح والطّهارة والتزكّي وركنوا إلى الدنيا وتلاعبوا بها وزخارفها وآثروها واختاروها على مرضاة اللّه - سبحانه - والدار الآخرة .
وقد أخذ هذا الكلام موقعا خاصّا حيث أتى في مقام التعريض بلفظ بل الإضرابيّة ، فجعل المتلاعبين بالدنيا والمكبّين عليها في مقابل أهل الفلاح والطّهارة والتزكّي ، فأوقعهم مقام الخزي والفضيحة . وفي هذا البيان إرشاد وتذكرة إلى شناعة إيثار الدنيا وترجيحها على الآخرة .