تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 399

مساهمون:

ص٣٩٩
فلا محالة يكون في الناس ، الشقيّ والأشقى بحسب كثرة المعاصي وآثارها وتبعاتها . ويكون فيهم أيضا الأشقى فالأشقى ، بحسب شدّة الطبع والرّين على قلوب العاصين والمتمرّدين . فتهون عنده المعاصي ولا يبالي بشيء من جلال اللّه وحرماته ، فيكون من الّذين قال اللّه تعالى في حقّهم :
« ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ » .
( الروم / 10 ) فإن قلت : إنّ الشقاوة والشدّة ، وإن كانت عارضة مكتسبة من ناحية العاصي ، إلّا أنّه لمّا حكم اللّه بها على العاصي هوانا وعقابا ، فقد صارت لازمة وثابتة في حقّه في ناحية حكمه تعالى . قلت : كلّا ! وقد سبقت سنّته تعالى الفاضلة أنّ الكافر إذا آمن والفاسق إذا تاب ، يستحقّ مغفرة اللّه بفضله ورحمته . فالقول بشمول مغفرة اللّه تعالى ورحمته للكافر والفاسق بعد الإيمان والتوبة ، مع القول ببقاء عقاب ذنوبها خلف واضح . قوله تعالى :
« الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى
( 12 ) » . بيان : الجملة صفة ونعت للأشقى . قال في لسان العرب 14 / 465 : الأصل في الصلاة اللّزوم . يقال : قد صلي واصطلى إذا لزم ، ومن هذا من يصلى في النار أي يلزم النار . . . . وصلي اللّحم في النّار وأصلاه وصلّاه : ألقاه للإحراق . والكبرى تأنيث الأكبر . فقيل : إنّ كونها كبرى بمقايستها إلى نار الدنيا . فإنّها النّار الصغرى . أورده في المجمع 10 / 476 عن الحسن ؛ وهو ضعيف . فلا إشكال بحسب الواقع ومقام الثبوت في أنّ النّار لها طبقات ودركات من جهة شدّة الحرارة والعذاب . قال اللّه تعالى :
« إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ » .
( النساء / 145 ) ولا كلام أيضا في أنّ الكفّار والعصاة في مراتب مختلفة بحسب سيّئاتهم وجناياتهم . فلا بأس أن يقال : إنّ الأشقى من الكفّار والعصاة ، يعذّب بالمرتبة الكبرى من النّار فالكبرى .