أقول : الظّاهر أنّ إطلاق الخشية على العلم من باب إطلاق المسبّب على السبب ، وللعناية بأهمّيّة الخشية وموقفها وأنّها من ثمرات المعرفة وتعظيم جلاله وكبريائه - جلّ ثناؤه .
ولا يبعد أن يقال : إنّ الخشية هي معرفته تعالى بتعريفه تعالى نفسه إلى عباده وشيئا من نعوته الجلاليّة - مثل الباطش والقاهر والمنتقم - فيعرف اللّه باطشا منتقما وقاهرا فيخشى .
فإن قلت : إذا كان المراد من الخشية هي المراقبة التامّة لناحية الربّ تعالى ومراعاة شؤونه وحرماته ، فلا تنفكّ بالضرورة عن العلم والعرفان الحقيقيّ به تعالى .
فيكون الذكر في قوله تعالى :
« سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى »
ونظائره تحصيلا للحاصل . فإنّ مآل الكلام : سيذّكّر المتذكّرون .
قلت : كلّا ! إذ من الواضح الضّروريّ أنّ درجات المعارف الإلهيّة لا تناهي لها ، لعدم تناهي كمالاته تعالى . فلا يستغني أحد من أفراد الموحّدين وغيرهم عن التذكير .
فالتذكير بالنسبة إلى الجاهلين أو الغافلين أو الناسين ، لرفع الجهل والغفلة والنسيان ؛ فيتعلّمون ويتذكّرون بعد ما كانوا جاهلين غافلين ناسين . وبالنسبة إلى المؤمنين ، فينفعهم ويزدادون في معارفهم وإيمانهم . وكذلك بالنسبة إلى من فوقهم من المتّقين والقانتين والمخبتين والخاشعين ، فينفع التذكير المتناسب بمقامهم ومعارفهم ، فيزدادون معرفة وتذكّرا وتبصّرا . وكذلك الكلام في الفضائل والمكارم والرذائل .
فيفيد التذكير وينتفع به كل واحد من المكلّفين على قدر سعة وجوده ونفوذ بصيرته وفهمه . فلا يزالون يزدادون كمالا بعد كمال وبصيرة على بصيرتهم ونورا على نورهم قال تعالى :
« وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً » .
( مريم / 76 )
« وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ » .
( محمّد صلّى اللّه عليه وآله / 17 )
أقول : وفي الآيات شواهد كثيرة على ما ذكرناه من البيان .
قوله تعالى :
« وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى
( 11 ) » .