إنّ هذا الواجب مباين ومضادّ لوجوب التذكير في غير هذا المورد . فتبيّن من جميع ما ذكرنا أنّه يجب التذكير لنفع المكلّفين ولإلزامهم الحجّة ولإعذارهم .
قال في المجمع 10 / 475 : وقيل : معناه : عظهم إن نفعت الموعظة أو لم تنفع ؛ لأنّه - صلّى اللّه عليه وآله - بعث للإعذار والإنذار ، فعليه التذكير في كلّ حال ؛ نفع أو لم ينفع . ولم يذكر الحالة الثانية ؛ كقوله :
« سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ » .
[ النحل / 81 ]
أقول : يريد أنّ الحالة الثانية محذوفة لقيام القرينة عليها . أي : سرابيل تقيكم الحرّ والبرد .
قوله تعالى :
« سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى
( 10 ) » .
بيان : هذه الآية الكريمة وما يتلوها قرينة واضحة على ما ذكرنا من أنّ قوله تعالى :
« فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى »
مطلق ؛ أي : فذكّر ، سواء نفعت الذكرى أو لم تنفع . لأنّها صريحة في أنّ المستمعين للذّكرى فريقان : أهل الخشية المتذكّرون ، وأهل التجنّب المستكبرون .
وتفيد الآية أنّ المهتدين عند البلاغ وعند الذكرى باللّه - سبحانه - وبجلاله ، هم أهل الخشية فقط . والتذكّر ليس هو العلم الحاصل بالتحرّي والطلب ؛ بل المراد منه ما يقابل النسيان والغفلة الطارئة ، وكذلك التوجّه والشعور بالشيء الّذي هو عالم به ولم يعلم أنّه يعلم . وبعبارة أخرى : الشعور الفطريّ البسيط الّذي أودعه اللّه في ذات الإنسان ولم يشعر به بعد . والتذكير لرفع الغفلة والنسيان ولإثارة نور الفطرة ولإيقاظ الناس من الهجعة .
وقوله تعالى :
« سَيَذَّكَّرُ . . . »
؛ التعبير بصيغة المضارع المقرونة بالسين الدالّة على التراخي ، ليس المراد منه الإخبار عن وقوع التذكّر في المستقبل . بل الظّاهر أنّ المراد منها بيان السنّة الإلهيّة بحسب الواقع ونفس الأمر على نحو الاستمرار من ترتّب التذكّر والتبصّر على التذكير بإذن اللّه - سبحانه - فيمن يخشى اللّه - سبحانه - ويراقبه ، ترتّبا وتلازما عاديّا عن إذنه بفضله . قال تعالى :