تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 393

مساهمون:

ص٣٩٣
بيان : الظّاهر أنّ المراد بالنفع المذكور في الآية الكريمة هو انتفاع الناس بالذكرى بأن يتذكّروا ويعرفوا ويؤمنوا ويتّعظوا ؛ سواء كان التذكّر في الأصول والمعارف ، أو في الأخلاق والفضائل والمكارم ، أو في المواعظ والزواجر . وبالجملة هو النفع الراجع إلى المكلّفين لا جميع الأغراض والفوائد الموجبة للقيام بأمر الذكرى ، مثل الإعداد وإتمام الحجّة والاحتجاج والمجادلة بالّتي هي أحسن والتوبيخ والتقريع وغير ذلك . والظّاهر أنّه لا دلالة في الآية الكريمة على نفي وجوب الذّكرى عند عدم انتفاع المكلّفين بها . فلا يجوز الأخذ بمفهوم القضيّة الشرطيّة ؛ أي : ما هو الظّاهر بالنظر البدويّ من اشتراط وجوب التذكير بانتفاع الناس وتذكّرهم به وعدم الوجوب عند عدم النفع للمكلّفين . ضرورة أنّ حجيّة هذا المفهوم متوّقّفة على إحراز الإطلاق في الجملة الشرطيّة في مقابل العطف بالواو أو على ما سيجيء بيانه - إن شاء اللّه . فلا صلاحيّة لهذا المفهوم لتقييد إطلاق الأمر في قوله تعالى :
« فَذَكِّرْ » .
فعلى هذا يجب التذكير سواء انتفع الناس أو لم ينتفع أحد بإطلاق الأمر ، إلى أن يحرز إطلاق الجملة الشرطيّة ويكون تقييدا لإطلاق الواجب المستفاد من الأمر . فالأدلّة المنفصلة هادمة لإطلاق الشرط وعدم انحصار وجوب الذكرى بما إذا انتفع الناس بل يجب إعذارا وتهديدا واحتجاجا وغيرها أيضا . هذا كلّه بناء على أنّ الأمر بالتذكير حكم شرعيّ مولويّ يجب على رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - وبوساطته لسائر النّاس المكلّفين . وأمّا بناء على أنّ الآيات والأخبار الدالّة على وجوب التذكير إرشاديّة ومواردها واضحة بدلالة العقل عند المكلّفين ، فلا إطلاق فيها ولا تقييد وإنّما تكون دائرة مدار الأمر المرشد إليه . فتجب الذكرى أو تحسن في هذه الموارد باستقلال العقل فيها من دون احتياج إلى دليل لفظيّ شرعيّ مولويّ ، كما في مقام التذكير إلى معرفة اللّه - سبحانه - وإلى كمالاته وشؤون كبريائه وفي مقام الاحتجاج والإعذار وإتمام الحجّة والتوبيخ وغيرها . فقوله تعالى :
« فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى »
إنّما هو إرشاد إلى وجوب التذكير . ولا تنافي ولا تزاحم بين هذا الوجوب وبين غيره من الموارد الّتي ذكرناها . فلا وجه لأن يقال :