تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 391

مساهمون:

ص٣٩١
أنفسهم ولا يسلبهم شيئا من كرامته الّتي أكرم بها أحبّاءه ، بل جرت سنّته الحكيمة أن يزيد على هداية الّذين اهتدوا هدى . والّذي يليق بجنابه أن يزيد في إكرامهم وإجلالهم . ولا نهاية لإحسانه وإفضاله . وفي تفسير الاستثناء وجوه أخرى . والأظهر ما ذكرناه . قوله تعالى :
« وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى
( 8 ) » . بيان : السّورة المباركة مكّيّة ؛ كما قدّمناه في صدر السّورة في رواية عن ابن عبّاس . وقد نزلت في أوائل أمره وبدء دعوته - صلّى اللّه عليه وآله . وواضح أنّه - صلّى اللّه عليه وآله - مواجه بهذه الدعوة جميع أهل العالم ، سيّما مع الفراعنة ، الجبابرة المكذّبين إيّاه - صلّى اللّه عليه وآله . فهذه الآية بشارة جميلة ووعد صادق من اللّه - سبحانه - أنّه يؤيّده ويوفّقه في جميع شؤون رسالته ونبوّته وفي بلاغ دعوته وفي تحمّله أثقالها وصبره على الشّدائد والمكاره . ووعد منه تعالى أنّ يسهّل له من الأمور وييسّر له من الأسباب ما تتمّ بها دعوته وتعلو بها كلمته مع كرامات خاصّة وعواطف كريمة من اللّه - سبحانه - في حقّه صلّى اللّه عليه وآله . واليسرى صفة ونعت للأمور والأسباب الّتي يسّرها اللّه - سبحانه - في طريق إتمام دعوته وظهور حجّته . فالمتناسب من العبارة في المقام على نحو المتعارف : ونيسّر لك اليسرى . كما في قصّة موسى - عليه السّلام - قال :
« وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي » .
( طه / 26 ) وقد اهتمّ تعالى بتكريم رسوله وصفيّه فقال :
« وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى » .
فطوبى لليسرى الّتي يسّر اللّه تعالى لها رسوله وجرت على يده العادلة . وما ذكرناه من البيان هو الموافق لظاهر الآية ويتجلّى به مفادها وما أريد منها . وبه يعلم وهن ما ذكره في الكشّاف 4 / 734 - 738 . قال : معناه : نوفّقك للطريقة الّتي هي أيسر وأسهل . يعني حفظ الوحي . وقيل : للشّريعة السمحة الّتي هي أيسر الشرائع وأسهلها مأخذا . وقيل : نوفّقك لعمل الجنّة . أقول : هذه الأقوال خارجة عن مفاد الآية الكريمة . أمّا القول الأوّل ، فيرد عليه أنّ هذه الآية عطف على قوله تعالى :
« سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى »
وهي مشتملة