تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 392

مساهمون:

ص٣٩٢
ومسوقة لحفظ الوحي بأبلغ بيان . وهذه الآية المعطوفة في نهاية الإبهام والإجمال في إفادة معنى الآية السّابقة . فلا محصّل للقول بتكرارها وعطف هذا المكرّر المبهم على هذا المفصّل . وأمّا القول الثاني ، فيرد عليه أنّ الآية الكريمة ظاهرة في أنّ اليسرى المذكورة فيها هي العنايات المبذولة من اللّه - سبحانه - لترويج الشريعة وتحكيمها وإتمام أمر الدعوة على ما بيّنّاه في صدر البيان ، لا نفس الشّريعة . كيف ؛ وظاهر الآية أنّ هذه البشارة لرسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - إنّما هو بعد نزول القرآن وبعد ما صار رسولا ؟ ! ولو كان المراد من اليسرى نفس الشريعة السمحة ، للزم تحصيل الحاصل . ضرورة أنّه - صلّى اللّه عليه وآله - قد تيسّر للشّريعة قبل نزول الشريعة ، واستكمله واستعدّ لها ، ثمّ يسّره اللّه للشّريعة اليسرى . ولا معنى لتجهّزه وتيسّره في أثناء رسالته . وأمّا القول الثالث - وهو أنّ المراد من اليسرى دخول الجنّة أو التوفيق للعمل الّذي يوجب دخول الجنّة - فيرد عليه أنّ العمل للجنّة أمر شخصيّ ومن ثمرات الدعوة . والغرض المسوقة له الآية أعلى وأجلّ من ذلك ؛ وهي إفاضة التأييدات وبذل التسهيلات الّتي يسّر اللّه لها ولنظائرها رسوله - صلّى اللّه عليه وآله - إمام الخير وقائد البركات ؛ وليخرج أهل العالم من الظّلمات إلى فضاء النور وسوق الناس إلى سعادة الدنيا والآخرة . قال في المجمع 10 / 475 : وقيل : معناه : نسهّل لك من الألطاف والتأييدات ما يثبّتك على أمرك ويسهّل عليك المستصعب من تبليغ الرسالة والصّبر عليه . عن أبي مسلم . وهذا أحسن ما قيل فيه . فإنّه يتّصل بقوله :
« سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى » .
أقول : نعم ؛ هذا أحسن . وأحسن منه ما ذكرناه . لأنّ ما ذكرنا مع اتّصاله وارتباطه بالآيات السابقة أجمع للعنايات المبذولة في تسهيل دعوته وإعلاء كلمته ، وأوفق بظاهر الآية الكريمة . والآية الكريمة قريبة المفاد من قوله تعالى :
« فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى . وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى . فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى » .
( اللّيل / 5 - 7 ) قوله تعالى :
« فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى
( 9 ) » .