ومن الثاني قوله تعالى :
« لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ » .
( آل عمران / 181 )
بيان : قد ورد أنّ الآية نزلت في قوم من اليهود قالوا : إنّ اللّه يستقرض منّا من أموالنا . فاللّه فقير ونحن أغنياء . والمراد بقتلهم الأنبياء قتل آبائهم لا اليهود الّذين كانوا في عصر النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - وهؤلاء قد رضوا بأعمال آبائهم .
فنزلت الآية في مقام التهديد عليهم ، لقوله :
« سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ »
بصيغة المضارع وبالسين . وكان قولهم ذلك قبل نزول الآية وكذلك قتل آبائهم الأنبياء ورضاؤهم بذلك . وكذلك كتابة الكرام الكاتبين كانت حين القول والقتل قبل نزول الآية ، لا في المستقبل . ونظائرها كثيرة في القرآن الكريم أعرضنا عن إيرادها في المقام ، طلبا للاختصار .
وأيضا إنّ المراد فيها الإخبار عن سنّة اللّه الفاضلة الحكيمة ، لا الإخبار عن الحادثة الّتي تدلّ عليها صيغة المضارع . أعني أنّ المراد في قوله :
« يُنَزِّلُ الْغَيْثَ »
؛ أي :
سنّته تعالى إنزال الغيث ونشر رحمته ، لا أنّه إخبار عن نزول المطر في المستقبل . وكذا الكلام في الآيات الأخرى .
فاتّضح ممّا ذكرنا أنّ الآية الكريمة غير آبية عن الحمل على الاستمرار وبيان السنّة الإلهيّة الّتي ذكرناها .
قوله تعالى :
« إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى
( 7 ) » .
بيان : إنّ إقراءه تعالى رسوله - صلّى اللّه عليه وآله - ورفع النسيان عنه - صلّى اللّه عليه وآله - بإفاضة العلم عليه وإنزال السكينة الإلهيّة على قلبه . وهذه الموهبة الكبرى إنّما يملكها رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - بتمليكه تعالى ؛ واللّه - سبحانه - هو أملك بها ولم ينعزل ملكه تعالى عنها . وليس رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - مالكا إيّاه من دون اللّه ولا مع اللّه ، بل هو يملكها باللّه . فلو شاء تعالى أن يقبض عنه العلم أو بعضه ، كان مقتدرا على ذلك .
فقوله تعالى :
« إِلَّا ما شاءَ »
استثناء من قوله :
« فَلا تَنْسى »
تحفّظا على التّوحيد ويذكر أنّ الأمر بعد بيد اللّه وفي قبضته ؛ ولكنّه - سبحانه - لا يكل أولياءه إلى