والوظائف الراجعة إليهم . فإنّ العلم تعليم إلهيّ مصون بالذات عن مخالفة الواقع . وهؤلاء الأفاضل المطهّرون يعلمون أنّهم يعلمون ويعلمون أنّهم يصيبون . وهذا الباب من المعارف الجليلة العجيبة في القرآن في باب النبوّات والرسالات .
فاتّضح من جميع ما ذكرنا أنّ قوله تعالى :
« سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى »
؛ معناه :
نقرئك بالتعليم الإلهيّ وبإفاضته العلم بكلّ ما يقرأ - أي العلم المصون المعصوم بالذات الّذي يستحيل فيه النسيان - فتصير قارئا كلّ ما يقرأ فتأخذ الوحي والكتاب بهذا العلم وتتحمّلها وتحفظها بذلك وتؤدّيها وتبلّغها بذلك . فإنّ صريح الآية أنّ الإقراء هو فعل اللّه تعالى وهو - سبحانه - قد جعل رسوله قارئا . فمقتضى الإطلاق في قوله تعالى :
« سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى »
إقراؤه تعالى رسوله ورفع النسيان عنه في قراءة كلامه في ألفاظه وحروفه ومعانيه ، في أحكامه وشرائعه ومعارفه وعلومه وقصصه وغيوبه ، وفي غير القرآن أيضا .
فإن قلت : إنّ قوله تعالى :
« سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى »
بصيغة المضارع ، وعد من اللّه لرسوله ، وبشارة له بإقرائه ورفع النسيان عنه ؛ سيّما بمعونة السين الدالّة على تخصيص المضارع بالاستقبال . ومقتضى ذلك عدم عصمته وعدم رفع النسيان قبل ذلك إلى حين نزول هذه الآية وإلى أن ينجز اللّه هذا الوعد في حقّه - صلّى اللّه عليه وآله .
قلت : قال ابن هشام في المغني 1 / 184 في حرف السين : وزعم بعضهم أنّها قد تأتي للاستمرار لا للاستقبال . ذكر ذلك في قوله تعالى :
« سَتَجِدُونَ آخَرِينَ » .
[ النساء / 91 ] ثمّ أنكر ذلك ابن هشام بما خلاصته : إنّ الاستمرار إنّما يستفاد من المضارع في الموارد الّتي جاء فيها الاستمرار ، لا من دلالة السين على ذلك .
أقول : قد أريد الاستمرار من المضارع ، سواء كان مجرّدا عن السين أو مقرونا بها . فمن الأوّل قوله تعالى :
« إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ »
( الأحزاب / 56 ) وقوله تعالى :
« وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ » .
( الشورى / 28 )