تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 387

مساهمون:

ص٣٨٧
الثاني : لا يخفى أنّ منشأ هذه الأوهام إنّما هو جهلهم بحقيقة الرسالة والنبوّة وتنزيل الإنسان الرسول والنبيّ منزلة الأشخاص العاديّين وتجويزهم النسيان في حقّه فيما يأخذه عن اللّه بالوحي . وكيف نسبوا إليه - صلّى اللّه عليه وآله - أنّه كان يتخوّف على نفسه النسيان ، ولا اشعار في شيء من هذه الآيات بذلك ؟ ! وقالوا : إنّه كان يستعجل مخافة النسيان وينازع قراءة جبرئيل ، حتّى نهاه اللّه عن ذلك . ثمّ إنّهم فسّروا الآية بأنّ اللّه وعد رسوله أن يحفظه من النسيان بعد نزول هذه الآية . وظاهر كلماتهم أنّه ما كان محفوظا قبل ذلك . ثمّ إنّهم لم يتعرّضوا بحقيقة ما به الحفظ والعصمة وكيف يحفظه اللّه - سبحانه . وذكر الزمخشريّ أنّه أمر بأن يقفيه حتّى يصير ملكة راسخة في نفسه . ثمّ ناقض ذلك في بعض كلامه ، على ما ستجيء الإشارة إليه - إن شاء اللّه تعالى . الثالث في تفسير الآية الكريمة . وفيه قولان : أحدهما ما ذكره في المجمع 10 / 475 قال : « وقيل : معناه : سيقرأ عليك جبرئيل القرآن بأمرنا فتحفظه ولا تنساه . أي : سنقرأ عليك بوساطة جبرئيل فتحفظه ولا تنساه . فجعل قراءة جبرئيل قراءة له تعالى . أقول : فيه أوّلا : إنّ قرأ متعدّ بنفسه إلى مفعول واحد . وعند تعديته بهمزة الإفعال يصير متعدّيا إلى اثنين . والمقرئ بحسب صريح الآية هو اللّه - سبحانه . فلا يصحّ تأويل الآية بقوله : سيقرأ عليك جبرئيل ، بالضرورة . وثانيا : تكون العناية في الكلام بناء على ما ذكروه إلى قراءة جبرئيل عليه - صلّى اللّه عليه وآله . ولا ملازمة بين القراءة وعدم نسيانه تكوينا . وبهذا البيان يعلم وهن ما ذكره في الكشّاف أيضا 4 / 738 قال : بشّره اللّه بآية بيّنة وهي أن يقرأ عليه جبرئيل ما يقرأ عليه من الوحي وهو أمّيّ لا يكتب ولا يقرأ فيحفظه ولا ينساه . أقول : اضطرب كلام الزمخشريّ وتناقض . وقد تقدّم كلامه في الكشّاف 4 / 661 في تفسير قوله تعالى :
« لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ . . . »
( القيامة / 17 ) قال : يقفيه بالدراسة إلى أن يرسخ فيه . وذكر في المقام أن جبرئيل يقرأ عليه فيحفظه ولا ينساه ولم يفطن
مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 387 | محمد باقر الملكي الميانجي