الإنسان من الأرض وقدّر ودبّر منها أقواته وما يحتاج إليه في إدامة حياته من النبات وغيره .
قوله تعالى :
« فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى
( 5 ) » .
قال في لسان العرب 15 / 115 : الغثاء - بالضمّ والمدّ - : ما يحمله السّيل من القمش . وكذلك الغثّاء - بالتشديد ؛ وهو أيضا الزّبد والقذر . وحدّه الزّجاج فقال : الغثاء : الهالك البالي من ورق الشجر الّذي إذا خرج السيل رأيته مخالطا زبده . . . وغثا الوادي يغثو غثوا فهو غاث ؛ إذا كثر غثاؤه ؛ وهو ما علا الماء . وفيه أيضا 14 / 206 : الحوّة : سواد إلى الخضرة . وقيل : حمرة تضرب إلى السّواد . . . . والأحوى : الأسود من الخضرة .
فقوله تعالى :
« فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى »
؛ أي : جعله كونه رطبا وذا نضارة ، حشيشا تذروه الرياح ويدفعه السّيل . وقوله :
« أَحْوى »
؛ أي : الأسود لشدّة خضرته .
وبعض المفسّرين لمّا رأى أنّ شدّة الخضرة لا مناسبة بينها وبين النبات اليابس والمخالط للسّيل ، قال : 7 نّ الأسود حال من المرعى ؛ مثل قوله تعالى :
« وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً . قَيِّماً » .
( الكهف / 1 و 2 )
فإن قلت : كيف يكون الغثاء والنبات اليابس والحشيش المخالط للسّيل والّذي تذروه الرياح من آيات ربوبيّته تعالى ومن علامات تدبيره وحكمته في خلق النبات ؟
قلت : لم أقف على أحد من المفسّرين من تعرّض لذلك ، إلّا ما ذكره في المجمع 10 / 475 قال : قيل : . . . فجعله غثاء ؛ أي : يابسا بعد ما كان رطبا . وهو قوت البهائم في الحالين . فسبحان من دبّر هذا التدبير وقدّر هذا التقدير .
أقول : ما ذكره حقّ لا ريب فيه ؛ إلّا أنّه ليس مدلولا للآية . وليس الغثاء هو النبات اليابس الّذي هو قوت للحيوان ولم تلحظ فيها هذه العناية . وغاية ما يمكن أن يقال بالتكلّف : إنّ هذا المعنى من مصاديق مفادها .
ولنا في المقام وجه آخر . وهو : إنّ من معاني الغثاء ما ذكره القاموس