والاحتجاج والتوبيخ ولأغراض أخرى . نعم ؛ لا يستغني الناس في حصول هذا العلم الفطريّ عن تذكرة المذكّرين وتنبيه المنبّهين على قدر مراتبهم .
ومنها معرفة الناس وهدايتهم لأمر معاشهم وإدامة حياتهم وإبقاء نسلهم على اختلاف في هذه الهداية . فالإنسان الساذج الأوّلي قد اهتدى بشيء قليل من رموز الحياة والمعاش ، بخلاف الإنسان الموجود في القرون الأخيرة ؛ فإنّه قد اهتدى إلى شيء كثير من مزايا الحياة . ولا فرق في تلك الهداية بين ما كانت حاصلة بالإلهام الفطريّ ، وبين ما حصلت على السّنن الدائرة في باب التعاليم من الفنون والصنائع . وهذا باب واسع من هداية اللّه - سبحانه - لا يمكن إحصاؤه واستقصاؤه .
الثالثة : الهداية المذكورة في الآية تشمل الهداية التشريعيّة المتوقّفة على بيان الشارع من الأحكام العباديّة والقوانين الموضوعة لحفظ الحقوق وصيانة الأعراض وحقن الدماء . وهذا القسم من الهداية أيضا ممّا تفضّل اللّه - سبحانه - به على عباده وأخرجهم من الظّلمات إلى النور ؛ وأصلح تعالى بها شأن دينهم ودنياهم ، لو عملوا بها . وهذا القسم ، وإن لم يكن علما تكوينيّا ، إلّا أنّه مستند على قول المعصوم المصون من الخطأ والزلل . فثبوت نبوّته وعصمته بعينه برهان على حقيقة دعوته وأحكامه . وبعبارة أخرى علم المكلّفين بنبوّته ورسالته بعينه علم بأحكامه . فكلّ ما بالعرض ينتهي إلى ما بالذات . وكذلك ما أخبر اللّه - سبحانه - من المعارف والحقائق المستورة تحت حجب الغيوب بالحجاب العمديّ من اللّه - سبحانه . وقد كشف القرآن الكريم عن هذه الحقائق لأهل العالم وآمن بها جميع أهل الإسلام من البرزخ وما بعدها من عوالم الجنّة والنار . وقد أصرّ القرآن الكريم في بيانها بأجلى بيان وجعل العلم والإيمان بها في رديف الإيمان باللّه ؛ واستبعدها بعض وتأوّلوها بآرائهم الّتي نسجوها . والأسف أنّهم لم يعرفوا قدر هذه النّعمة الجليلة ولم يشكروا اللّه - سبحانه - عليها . وأنكرت هذه الحقائق الفرق المخالفة للإسلام من الدّهريّة وغيرهم .
فتحصّل في المقام أنّ الهداية في الآية مطلقة سارية وجارية لكلّ نوع أو فرد من الهداية المفاضة من اللّه - سبحانه . واتّضح ممّا ذكرنا وهن ما ذكروه من
مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 383
مساهمون: محمد باقر الملكي الميانجي
ص٣٨٣