قلت : كلّا ! بل الآية الكريمة صريحة على خلافه . فإنّ كون القرآن في الكتاب المكنون - بناء على أنّه صحيفة نوريّة - عبارة عن كونه معلوما بهذا العلم الحقيقيّ . وبعبارة أخرى : تدلّ الآية الكريمة على أنّ القرآن قد كان في كتاب مكنون بالوجود العلميّ ؛ أي : كان معلوما بهذا العلم الحقيقيّ لا بالوجود العينيّ كما توهّمه بعض المفسّرين . فقد وصف تعالى هذا القرآن المقروء والمتلوّ أنّه قد كان في الكتاب المكنون ومعلوما به . والوصف الثالث معناه أنّه لا يجوز مسّ هذا القرآن الّذي كان في الكتاب المكنون بحسب التشريع إلّا للمطهّرين من الأحداث والأخباث ، تشريفا وتكريما له .
في الوسائل 1 / 269 ، عن الكلينيّ مسندا ، عن إبراهيم بن عبد الحميد ، عن أبي الحسن - عليه السّلام - قال :
المصحف لا تمسّ على غير طهر ولا جنبا . ولا تمسّ خطّه ولا تعلّقه . إنّ اللّه تعالى يقول :
« لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ » .
وفي المجمع 10 / 226 : وقيل : المطهّرون من الأحداث والجنابات . وقالوا :
لا يجوز للجنب والحائض والمحدث مسّ المصحف . عن محمّد بن عليّ الباقر - عليه السّلام . . . . وعندنا أنّ الضمير يعود إلى القرآن . فلا يجوز لغير الطّاهر مسّ كتابة القرآن .
وفي التبيان 9 / 510 : عندنا أنّ الضمير راجع إلى القرآن . . . ويبيّن ما قلناه قوله :
« تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ » .
ومن العجيب في هذا المقام تفسير المسّ بالعلم والإدراك . أي : لا يدركه إلّا المطهّرون من درن الذنوب والمعاصي . وهذا الوجه في نهاية الضعف . فإنّ المسّ لم يستعمل في مورد العلم والإدراك في الكتاب والسنّة ولا في اللّغة . فإنّ من موارد استعماله مورد اختلاط الرجال بالنساء . قال تعالى :
« وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ » .
( البقرة / 237 )