وبيان حقيقة الإعجاز وموقع جميع أهل العالم في مقابل دعوته . وممّا ذكرنا يعلم أنّه لا يجوز لمن عقل عن اللّه وعرف موضع عقله في شأن حياته وآمن باللّه وعرفه ووحّده ، أن يرتكب الإنكار والمسامحة في قبول دعوته أو تأويل محكماته وبيّناته وتطبيق ذلك بما تقوّله حشوا من رأيه ونظره .
وفي غير الفطريّات والمستقلّات العقليّة ، يكون إحقاق الحقّ وتثبيت الحجّة فيها بنصوصه ومحكماته وبيّنات آياته ؛ بحيث يزيح علّة المرتابين عن صدورهم ويقطع عذر المعاندين - فماذا بعد الحقّ إلّا الضلال ؟ ! فأنّى تؤفكون ؟ ! - مثل المعاد الجسمانيّ والجنّة والنار الجسمانيّتين وعذابها ونعيمها . فقد قرعت أسماع الجنّ والإنس مئات من الآيات المحكمة الصريحة في وقوعها .
فتحصّل أنّ كون القرآن فصلا إنّما هو باعتبار رفعه وقطعه موادّ الشبهة والريبة والتنازع والتخاصم في العقائد والآراء وغيرها . قال تعالى :
« إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ » .
( الأنعام / 57 )
وهناك آيات أخرى تدلّ على أنّ آيات القرآن مفصّلة . منها قوله تعالى :
« وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ » .
( الأعراف / 52 )
« قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ . . .
كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ » .
( الأعراف / 32 )
« وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ » .
( الأنعام / 126 )
« كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ » .
( هود / 1 )
بيان : قال بعض المفسّرين في تفسير الآية الأخيرة ما خلاصته : إنّ المراد من الكتاب في القرآن الكريم هو القرآن في مرتبة تجرّده الّتي لا تقبل التجزئة والتفريق .
وبعد التنزّل في مرتبة البروز وفي مرتبة البلاغ والإنذار ، يسمّى فصلا فصلا وفرقا فرقا . قال تعالى :
« وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ » .
( الإسراء / 106 ) وإن كان بين الآيات والكتاب نحو من الاتّحاد . فإنّ مقام الجمع حائز بالمراتب الّتي