تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 363

مساهمون:

ص٣٦٣
ولا يخفى أيضا أنّ إطلاق الفصل والفرقان على القرآن بعناية خاصّة في كلّ واحد من التعبيرين ، إلّا أنّهما متّحدان مصداقا . ضرورة أنّ كلّ آية فاصلة فهو فرقان ؛ وكلّ آية فارقة فهو فصل أيضا ، من غير فرق بين مورد ومورد . فمقتضى القول في معنى حاكميّة القرآن وفارقيّته وفاصليّته في العلوم الفطريّة والمستقلّات العقليّة الّتي هي أمّهات الدّعوة ، أن تكون هي إثارة دفائن العقول وإضاءتها وإنارة الأفكار وإحياء الفطرة بالتذكير والإرشاد إلى الأحكام الثابتة الضّروريّة من المحرّمات العقليّة وفرائضها ومحسّناتها ومقبّحاتها ، بحيث تستيقظ فطرتهم ويرون ويشهدون صدق دعوته ويدركون وجوب اتّباعه ووجوب اتّباع كلّ حقّ وحقيقة ووجوب الإيمان والتسليم فيما يعقلون ويعلمون من دعوته على المخالف والمؤالف والصّديق والعدوّ . والقرآن الكريم يدعو الناس ويذكّرهم ويرشدهم إلى معرفته تعالى ومعرفة توحيده ونعوته وكمالاته أيضا ؛ أي : المعرفة الّتي فطر الناس عليها . وذلك الدّين القيّم . ويتحدّى جميع أهل العالم بالإتيان بمثله وأنّهم لا يقدرون على الإتيان بمثله ، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا . وحيث إنّ القرآن بعلومه وبيّناته ومحكماته ، مهيمن على جميع الكتب السّماوية ومقالات أهل الأديان من جميع الفرق ، ومن فرق الإسلام أيضا ، فلا بدّ أن يعرض جميع ما ذكرناه على القرآن . وما وافقه ، فهو الحقّ المبين . وما يخالفه ويضادّه ، فهو كذب باطل . قال تعالى :
« وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ » .
( المائدة / 48 ) قال في القاموس 4 / 279 : هيمن . . . على كذا : صار رقيبا عليه وحافظا . وقد تقدّم عن الصحيفة السجّادية أنّ القرآن مهيمن على كلّ كتاب أنزله اللّه تعالى . وتكميل البحث في ذلك يحتاج إلى بسط الكلام في إعجاز القرآن المجيد