دونها المناسبة بمقام الجمع .
أقول : يرد عليه أوّلا : إنّ تجرّد القرآن قبل مرتبة نزوله في مرتبة البلاغ والإنذار ، لا شاهد عليه بحسب الكتاب والسنّة . وكذا لا دليل لإطلاق الكتاب على القرآن بحسب عينه وحقيقته المجرّدة . ولا عناية لإطلاق الكتاب على القرآن في هذه المرتبة بحسب اللّغة . وإنّما تشبّثوا بذلك تحفّظا على الأصول الّتي افترضوها .
ثانيا : إنّ الإحكام والتفصيل بالمعنى الّذي ذكروه ، يرجع إلى عين القرآن وحقيقته . والآيات بمعزل عن هذه العناية والإشارة إليها . فإنّ الإحكام والتفصيل من نعوت الدلالة والحكاية عن المعاني لا بحسب عين المعاني وحقيقتها . فالإحكام في مقابل التشابه ، والتفصيل في مقابل الإبهام والإجمال . فالإحكام والتفصيل من النعوت الجليلة الكريمة للقرآن الكريم على ما سيجيء من البيان .
وثالثا : إنّ الموصوف بالإحكام والتفصيل هي الآيات فقط ، لا الكتاب فقط ، ولا الكتاب والآيات معا . وقوله تعالى :
« ثُمَّ »
لا دلالة فيها على التراخي بحسب الزمان ولا بحسب المرتبة . وإنّما التراخي فيها بحسب الذكر . قال ابن هشام في المغني 2 / 159 في تعداد معاني ثمّ : وأمّا الترتيب ، فخالف قوم في اقتضائها إيّاه تمسّكا بقوله تعالى :
« خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها »
- الآية [ الزمر / 6 ] . . . وقول الشاعر :
إنّ من ساد ثمّ ساد أبوه * ثمّ قد ساد قبل ذلك جدّه
وهو المنقول أيضا عن الرضيّ في شرحه على الكافية / 309 .
قد تبيّن من جميع ما ذكرنا أنّ اتّصاف الآيات الكريمة بالإحكام تارة وبالتفصيل أخرى ، إنّما هو بلحاظ العناية الّتي ذكرناها . فالمحكم في عين أنّه محكم ، مفصّل لا إجمال فيه . والمفصّل في عين أنّه مفصّل ، محكم لا تشابه فيه .
فإن قلت : فما تقول في قوله تعالى :
« إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ . فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ . لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ . تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ »
( الواقعة / 77 - 80 ) الدالّ على أنّ القرآن قد كان قبل نزوله في مرتبة البلاغ والإنذار في الكتاب المكنون وكان مجرّدا بتجرّده ؟