« أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً . أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى . ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى . فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى . أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى » .
( القيامة / 36 - 40 )
وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ » .
( الرّوم / 27 )
قال في المجمع 8 / 302 : أي : يخلقهم إنشاء ويخترعهم ابتداء . ثمّ يعيدهم بعد الإفناء . فجعل - سبحانه - ما ظهر من ابتداء خلقه دليلا على ما خفي من إعادته ، استدلالا بالشّاهد على الغائب . ثمّ أكّد ذلك بقوله :
« وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ » .
وقيل فيه أقوال . أحدها أنّ معناه : وهو هيّن عليه ؛ كقوله : اللّه أكبر ؛ أي : كبير لا يدانيه أحد في كبريائه .
وقد ذكروا في دفع الإشكال وجوها لا جدوى في التعرّض لنقلها . والأولى في الجواب ما ذكرنا في صدر البيان من أنّ الإعادة أهون من أن تمتنع وتستعصي عليه تعالى . فالمعنى : هو شديد الهوان عند قدرته - سبحانه . ومرجعه إلى سلب التفاضل في معنى أفعل في أمثال المقام .
وقد ذكر بعض المفسّرين في تفسير المقام أنّ المراد هو إنشاء بعد إنشاء . وهذا تأويل بارد . فإنّ الإنشاء ليس إلّا إيجاد أمر لمّا يكن ؛ والإعادة تجديد ما كان موجودا وقد صار باليا مندرسا .
قوله تعالى :
« يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ
( 9 ) » .
بيان : قال في مرآة الأنوار / 105 : في النهاية : الابتلاء في الأصل : الاختبار والامتحان . يقال : بلوته وأبليته . وفي القاموس : التكليف بلاء لكونه شاقّا على البدن ، ولأنّه امتحان . ثمّ قال : والبلاء يكون محنة .
أقول : البلاء بمعنى إصابة الحوادث من الخير والشرّ . وهو فعله تعالى بالإنسان اختبارا وامتحانا . وليس غرضه تعالى من الابتلاء والامتحان الاستطلاع على سرائر العباد واستكشاف بواطنهم - لاستحالته في حقّه تعالى - بل المراد منه إنّما هي العناية الخاصّة واهتمام أكيد لتمحيص العباد وتخليص نفوسهم طبق سنّته تعالى