والظّاهر في المقام أنّ العدول من التراب أو من الطّين أو غيرهما إلى الماء الدّافق الهيّن ، للتذكير بحقارة أصل الإنسان بأنّ أوّله نطفة وآخره ميتة ، فلا ينبغي له الاستكبار والاستعلاء . قال تعالى :
« قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ . مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ . مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ . ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ . ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ . ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ » .
( عبس / 17 - 22 )
ولا يخفى أيضا أنّه لا تنافي ولا تضادّ بين هذه الآيات الواردة في خلقة الإنسان على سبيل التناسل طبق السنّة المقدّسة الإلهيّة وبين قوله تعالى :
« هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً »
( الدهر / 1 ) ؛ أي : كان شيئا بالحقيقة معلوما في العلم ، ولم يكن مذكورا في الخلق المذكورين .
قوله تعالى :
« يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ
( 7 ) » .
بيان : قال في القاموس 1 / 96 : الصّلب . . . وبالضمّ وبالتحريك : عظم من لدن الكاهل إلى العجب . وفيه 1 / 105 : العجب - بالفتح - : أصل الذّنب ومؤخّر كلّ شيء .
وفيه 1 / 41 : الترائب : عظام الصدر ، أو ما ولي الترقوتين منه ، أو ما بين الثديين والترقوتين ، أو أربع أضلاع من يمنة الصّدر وأربع من يسرته . . . أو موضع القلادة .
أقول : المستفاد من الآية الكريمة أنّ المراد في المقام بمعونة الرّوايات الواردة هو أنّ الماء يخرج من صلب الرّجل ومن ترائب المرأة ، لا أنّه يخرج من صلب الرجل وترائبه كما توهّم .
كما أنّ الظّاهر أنّ صلب الرجل وترائب المرأة مجرى الماء الدافق ، لا أنّها محلّ تكوين الماء الّذي يخرج منها . أشار إلى ذلك السيّد ( قده ) في كتاب رياض السّالكين في شرح قوله - عليه السّلام - في الصحيفة السجّاديّة في دعائه بعد صلاة اللّيل :
« وأنت حدرتني ماء مهينا من صلب متضائق العظام حرج المسالك . »
ففي نور الثقلين 5 / 550 ، عن كتاب الاحتجاج للطبرسيّ ( قده ) قال أبو محمّد العسكريّ - عليه السّلام - :