« لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ » .
( البقرة / 286 )
« فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها » .
( يونس / 108 )
« فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ » .
( الأنعام / 104 )
وليس المراد أيضا بيان سعة علمه تعالى وشموله لكلّ ما يعمله العاملون من خير وشرّ وطاعة ومعصية . فإنّ ذلك حقّ في بابه ، إلّا أنّه أجنبيّ عن تفسير الآية . فما قال في الكشّاف في تفسير المقام 4 / 241 : « حافظ مهيمن عليها رقيب . وهو اللّه - عزّ وجلّ . وكان اللّه على كلّ شيء رقيبا . . . . » ليس بشيء . وكذلك قول من قال : « إنّ المحفوظ عمل العاملين من الخير والشرّ » . ضرورة أنّ المراد بحسب ظاهر الآية هي المعاصي فقط ، والحافظ على كلّ نفس بما كسبت هو الكتبة الكرام ، واللّه - سبحانه - من ورائهم شهيد ؛ وهو تعالى أكبر الشاهدين .
ومن قرأ : « لما » - بالتخفيف - فتكون « إن » مخفّفة من المثقّلة و « ما » زائدة .
أي : إنّ كلّ نفس لعليها حافظ .
قوله تعالى :
« فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ ( 5 ) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ
( 6 ) » .
بيان : الظّاهر أنّ التّفريع في هذه الآية من الآية السابقة ، للتّهديد والتحذير عن سوء العاقبة ووخامة الخاتمة ؛ فلا مناص من العبرة والاستبصار في بدء أمره وغاية منقلبه ومصيره . والقرآن الكريم وآياته واضحة البيان وصريحة الدّلالة على أنّ هذا النوع خلق إبداعيّ وإبدائي ، خلقه تعالى من الأرض وينتهي أصله إلى الزّوجين آدم الشخصيّ وزوجته الشخصيّة . وهذا النّوع مستقلّ في نفسه .
وقوله تعالى :
« خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ »
قال في القاموس 3 / 231 : دفقه . . . : صبّه .
وهو ماء دافق ؛ أي : مدفوق . لأنّ دفق متعدّ عند الجمهور .
أقول : لا تنافي بين الآيات المسوقة في مقام خلقة الإنسان من التراب وفي بعضها من الطين والنطفة والمضغة والعلقة وغيرها من التعبيرات . فإنّها مراحل طوليّة ولا يعقل التنافي والتّزاحم بينها . غاية الأمر على عهدة المفسّر بيان العناية الملحوظة في كلّ منها بحسب الغرض المسوقة له الآيات .