الواو للقسم . وهل المراد من السّماء جنس السّماء أو سماء بعينها ، سيجيء توضيحه في ذيل البحث - إن شاء اللّه .
وكذلك الواو في قوله تعالى :
« وَالطَّارِقِ »
للقسم . وذكر المفسّرون في تفسير الطّارق أنّه مأخوذ من طرق بمعنى : دقّ وقرع . وذكروا أشياء من موارد استعماله ؛ مثل الطّريق للأرض المسلوك فيها ، والمقرعة والمطرقة .
وقال في المجمع 10 / 471 بعد قوله تعالى :
« وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ »
: وذلك أنّ هذا الاسم يقع على كلّ ما طرق ليلا . ولم يكن النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - يدري ما المراد ، لو لم يبيّنه ثمّ بيّنه بقوله :
« النَّجْمُ الثَّاقِبُ » .
أي : هو الكوكب المضيء . ويريد به العموم وهو جماع النجوم . عن الحسن .
وهو الظّاهر من الكشّاف أيضا 4 / 240 . فيكون المراد من الطّارق عموم ما طرق ليلا ، ويكون قوله :
« النَّجْمُ »
للتقييد والتخصيص .
أقول : قوله تعالى :
« الطَّارِقِ » .
الظّاهر في المقام هو الطّارق المعيّن ، لمكان اللّام ؛ سواء قلنا إنّه للعهد أو التعريف ، أو قلنا : إنّه للموصول بمعنى الّذي . فإنّ الموصول إنّما يستعمل في مورد يكون الصّلة معلومة بين المتكلّم والمخاطب . وقد عدّه النحاة من المعارف . قال في المغني 1 / 71 : ال على ثلاثة أوجه . أحدها : أن تكون اسما موصولا بمعنى الذي وفروعه ، وهي الداخلة على أسماء الفاعلين والمفعولين .
هذا أوّلا . وثانيا : إنّ قوله :
« وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ »
ليس الغرض منه إلّا تفخيم شأن الطّارق ومزيد الاهتمام بموقعه الخطير وأنّه من عجيب صنعه تعالى وبديع حكمته وقدرته . كما في قوله تعالى :
« وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ »
وقوله تعالى :
« وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ » .
فإنّ ذلك فيما يكون المورد معلوما ويريد المتكلّم تهويل الأمر وشدّته وتعظيمه . وضروريّ أنّه ليس الغرض في أمثال المقام بيان الأمر المبهم وأنّه لا يعرفه المخاطب إلّا بعد البيان كي يكون المذكور رافعا للإبهام وبيانا وتقييدا وتخصيصا .
فاتّضح أنّ قوله تعالى :
« النَّجْمُ الثَّاقِبُ »
نعت لهذا الطّارق المتعيّن بلحاظ تعظيمه وتجليله - أي لشدّة ضوئه وشروق نوره الّذي يثقب الفضاء الواسع