تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 346

مساهمون:

ص٣٤٦
المعلوميّة والمعلوم من حيث إنّه معلوم إلى المرتبة الكاشفيّة والمظهريّة . وكذلك العلم الحصوليّ الحاصل من المقدّمات العلميّة الّتي تسمّى قطعا . فإنّه وإن كان علما عاديّا عند عقلاء الأمم وبه نظام معيشتهم وحياتهم ، إلّا أنّه ليس كاشفا عن ذاته ، فضلا عن المكشوف به . فإنّ القاطع ليس له كشف عن الواقع ، والإصابة وعدمها مستوران عن القاطع وخارجان عن اختياره . وليس هذا العلم الحصوليّ إلّا في عداد غيره من الأعيان المعلومة من حيث معلوميّته بالعلم الضّروريّ . فلو لا العلم الضروريّ الواقعيّ الّذي يجده الإنسان ، لما كان العلم الحصوليّ مكشوفا للإنسان . فالعلم الحصوليّ مكشوف للعالم ولم تعلم إصابته وعدمها للقاطع . والنسبة بين العلم الحصوليّ والعلم الحقيقيّ نسبة المباينة الصفتيّة . قوله تعالى :
« فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ
( 16 ) » . بيان : هذا تمجيد آخر منه تعالى لنفسه القدّوس . فقوله :
« فَعَّالٌ »
صيغة مبالغة ليس المراد منه في المقام كثرة متعلّقه . بل الظّاهر أنّ الآية مسوقة لتوصيفه تعالى نفسه بكونه فعّالا بلحاظ شدّة فعله ونفوذ أمره بحيث لا يمكن أن يمتنع ويستعصي عليه شيء أراده فلا مانع لإرادته ولا دافع لقضائه . ولعلّ الغرض من هذا التمجيد وما تقدّم عليه من التمجيدات ، هي التسلية للمؤمنين من أصحاب الأخدود ومن يحذو حذوهم . فإنّه تعالى صادق الوعد ووافي القول ، قادر على إنجاز ما وعده لأوليائه المؤمنين الّذين بذلوا أنفسهم في مرضاته . وهكذا لا يخلف - سبحانه وتعالى - ما وعده لأنبيائه ورسله والمؤمنين من الانتقام لهم من أعدائه وأعدائهم . قوله تعالى :
« لِما يُرِيدُ » .
حقيقة الإرادة منه تعالى ، فقد وقع موردا للتّنازع والتخاصم بين أهل العلم . وواضح أنّ هذا النّزاع ليس بحثا لغويّا ، بل هو نزاع معنويّ نشير إليه - إن شاء اللّه . قال المولى صدر الدين الشيرازيّ في كتابه المبدأ والمعاد / 135 : الإرادة فينا شوق متأكّد . . . وفي الواجب تعالى ، لبراءته عن الكثرة والنقص ، ولكونه تامّا وفوق التمام ، تكون عين الداعي وهو نفس علمه الّذي هو عين ذاته بنظام الخير في نفس