قال النصرانيّ : كيف ذلك ؟ ونحن نجد في الإنجيل : ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية .
فقال عليّ - عليه السّلام - : إنّ الملائكة تحمل العرش . وليس العرش كما تظنّ كهيئة السّرير ؛ ولكنّه شيء محدود مخلوق مدبّر وربّك - عزّ وجلّ - مالكه ، لا أنّه عليه ككون الشيء على الشيء . وأمر الملائكة بحمله فهم يحملون العرش بما أقدرهم عليه .
قال النصرانيّ : صدقت . رحمك اللّه .
بيان : الأخبار الواردة في بيان حقيقة العرش بعضها من المتشابهات ؛ سيّما ما وردت في باب خلقة العرش . فلا بدّ من ردّها إلى اللّه وإلى أوليائه وعدم التعرّض لها .
وعدّة أخرى منها من جملة الظّواهر والمحكمات الّتي أوردنا منها ما ظفرنا بها في هذا المقام . والباحث الخبير يظفر على أزيد من ذلك . وفيها دواء العليل وشفاء الغليل .
فالمتحصّل من جميعها : إنّ العرش عبارة عن حقيقة العلم بجميع العوالم وشؤونها وأحوالها وما يجري فيها بلا استثناء شيء منها ، على ما تقدّم في رواية حنان بن سدير وأشرنا بشيء من شرحها في الموارد الّتي تحتاج إلى البيان . وقد عرفت أنّ في هذه الروايات تصريحا بكونه علما ، وتصريحا بحملة هذا العلم والعلماء به ، وتصريحا بأنّ اللّه حمّلهم هذا العلم ؛ وكذلك تصريح في الآيات بأنّ هذا العرش يحمله عدّة ممّن اصطفاه اللّه تعالى .
فيستفاد من جميعها أنّ اللّه أفاض هذا النّور القدسيّ على أرواحهم وأضاءهم فاستضاؤوا به وأيّدهم بهذا الروح العلميّ . فهذه الآيات والروايات تنادي بأعلى صوتها ببطلان ما يمكن أن يتوهّم من وحدة العلم والمعلوم .
وفيها تصريح وظهور وإشعار وتلويح بأنّ ذات العلم خلو من المعلوم ، بأيّ نحو من أنحاء الوجود ؛ والمعلوم خلو من العلم ، ولو بنحو من التنزّلات . وهذا هو الحقّ المبين . ضرورة أنّ العلم ذاته وحقيقته عين الكشف والظهور والمظهريّة لا غير ظهورا ذاتيّا ؛ والمعلوم ذاته عين المكشوفيّة والمعلوميّة بهذا العلم . والنسبة بين العلم والمعلوم نسبة البينونة الصفتيّة . فيستحيل تنزّل العلم إلى المرتبة المعلوميّة وانقلابه إلى
مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 345
مساهمون: محمد باقر الملكي الميانجي
ص٣٤٥