قوله تعالى :
« بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ
( 19 ) » .
بيان : معرفته تعالى بآيات قهره وعلامات سطوته ، من أجلّ المعارف وأشرفها . وأكثر الناس - سيّما الطّغاة والعتاة - يمرّون عليها وهم عنها معرضون وفي خوضهم يلعبون . وإنّما خصّ اللّه - سبحانه - الخطاب لرسوله وللّذين لهم أسوة حسنة برسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله . لأنّ في التذكرة بهذه الآيات وبسنّته المقدّسة الفاضلة في أوليائه وأعدائه ، تسلية وحنانا عليه - صلّى اللّه عليه وآله . وأضرب وأعرض عن الكفّار وأعداء الرّسول وصرّح بأنّهم خائضون في التكذيب وغامرون في الضّلال ، فكيف بهم الاهتداء بهدايتك ونورك وبرهانك ؟ !
قال في الكشّاف 4 / 585 : ومعنى الإضراب أنّ أمرهم أعجب من أمر أولئك .
لأنّهم سمعوا بقصصهم وبما جرى عليهم . رأوا آثار هلاكهم ، ولم يعتبروا وكذّبوك أشدّ من تكذيبهم .
أقول : الظّاهر أنّ الإضراب إنّما هو عن قوله تعالى :
« هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ »
مخاطبا لرسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله . وهو الغرض الأصيل في الآية . وهو الّذي ذكرناه . وما ذكره الزمخشريّ في معنى الإضراب وتفسيره أجنبيّ عن سياق الآية الكريمة .
قوله تعالى :
« وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ
( 20 ) » .
قال في القاموس 1 / 33 : ووراء - مثلّثة - : الآخر . والوراء مهموز لا معتلّ ، ووهم الجوهري ويكون خلف وقدّام . ضدّ .
أقول : إحاطته تعالى ليست إحاطة جسمانيّة من خلف ولا من غيره . بل الظّاهر إحاطة قدرته ونفوذ سلطانه عليهم ، لأنّهم لا يتمكّنون أن يفلتوا منه ويفوتوا عنه ، فسيأخذهم اللّه أخذ عزيز مقتدر . وأمّا الوجه في التعبير بالوراء والعناية الملحوظة فيه ، فلم أعرف بعد وجهه ولم يتبيّن لي . واللّه العالم .
قوله تعالى :
« بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ( 21 ) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ
( 22 ) » .
بيان : الظّاهر أنّ الإضراب المذكور في هذه الآية إضراب عن قوله تعالى :