القرآن الكريم إلّا الأخذ بالمحكمات والأخذ بالظّواهر ، ثمّ استيضاح ذلك وتأكيده بكسب الشواهد والقرائن من محكمات الكتاب وظواهره وكذلك من محكمات السّنن وظواهرها . فإنّ آيات القرآن الكريم يصدّق بعضها بعضا ويشهد بعضها على بعض . معناه أنّ الشّهادة من الطّرفين ، والتصديق من الجانبين . يعني : إنّ الشاهد بعين أنّه شاهد مشهود والمصدّق - بكسر الدال - في عين أنّه مصدّق للبعض المصدّق .
فإنّ على كلّ حقّ حقيقة وعلى كلّ صواب نورا .
قوله تعالى :
« وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ
( 14 ) » .
قال في القاموس 2 / 106 : غفر اللّه له ذنبه . . . غطّى عليه وعفا عنه .
وفيه 1 / 357 : الودّ والوداد - ويثلّثان - . . . : الكثير الحبّ ؛ كالودود .
أقول : فاللّه - سبحانه - يتودّد إلى أوليائه وأحبّائه بكراماته ومواهبه الجميلة الّتي تقرّ بها عيونهم في الدنيا والآخرة . ويتودّد إلى عباده بإفاضة نعمائه الكثيرة عليهم الّتي لا يقدرون على إحصائها - لكثرتها وشيوعها - وبالعفو عن ذنوبهم وإمهالهم وتأخير عقوباتهم .
قوله تعالى :
« ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ
( 15 ) » .
قد مجّد - سبحانه - نفسه القدّوس بأنّه ذو العرش . والآيات في سياقها كثيرة ؛ ومعناه واجديّة العرش . وكونه تعالى واجدا للعرش ، ليس مثل واجديّة الإنسان وغيره من الموجودات واجدا لشيء . فإنّ واجديّته تعالى هو مالكيّته الحقيقيّة على ما يجده . قال تعالى :
« ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ » .
( السجدة / 4 )
« ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً » .
( الفرقان / 59 )
« ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها » .
( الحديد / 4 )
أقول : هذه الآيات تذكير بأنّه تعالى استوى على العرش واحتواه واستولى عليه ، وتمجيد للّه - سبحانه - من حيث الاستواء والاحتواء . ومع ذلك في كلّ