أو هو تمجيد آخر مستأنف ؟ الظّاهر هو الثّاني . لأنّ التمجيدات الواقعة بعد هذه الآية الكريمة بأنّه تعالى هو المبدئ والمعيد ، لا تلائم التّهديد المتقدّم على الّذين فتنوا المؤمنين .
ولا يخفى أنّ معنى البطش والشدّة ليس على ما يتوهّم ويتصوّر من المخلوقين في الحروب والمغازي وفي مورد التنكيل والتعذيب . وإنّما تعرف وتعلم آثار بطشه وشدّة بأسه تعالى بعقابه وهلاكه الظّالمين والمستكبرين سيّما بالنّار الكبرى الّتي أعدّت للكافرين . فمعرفة هذين الاسمين الكريميين - الباطش والشديد - ليس إلّا كمعرفة غيرهما من أسمائه تعالى الحسنى ولا بدّ من الاستدلال عليها بالآيات والعلامات المشهودة المعلومة . ويفيد الاستدلال معرفة وجه تسميته تعالى بهذين الاسمين الكريمين ، معرفة خارجة عن الحدّين ، حدّ التعطيل وحدّ التّشبيه .
فقد ورد اسم الباطش والشديد في التسبيح المرويّ عن النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - الّذي رواه في المهج / 82 و 83 إلى أن قال :
« سبحانه من حكيم ما أبطشه . وسبحانه من باطش ما أقومه . . . وسبحانه من شديد ما أعطفه . »
وقوله تعالى :
« رَبِّكَ » .
الربّ من أسمائه تعالى الكريمة الحسنى . واستوفينا البحث فيه في قوله تعالى :
« رَبِّ الْعالَمِينَ »
في سورة الفاتحة . وفي إضافته إلى كاف الخطاب عناية خاصّة بتشريفه تعالى لرسوله - صلّى اللّه عليه وآله .
قوله تعالى :
« إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ
( 13 ) » .
بيان : قال في القاموس 1 / 8 : بدأ به - كمنع - : ابتدأ به . والشيء : فعله ابتداء ؛ كأبدأه وابتدأه .
أقول : والآيات في مفادها ومعناها كثيرة في القرآن الكريم . قال تعالى :
« إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ » .
( يونس / 4 )
« قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ » .
( يونس / 34 )