أقول : البدء ليس بمعنى الإيجاد ، ولا بمعنى الإنشاء ، ولا بمعنى الاختراع ، ولا بمعنى الإبداع بالعين بلا احتذاء مثال سابق . والبدء من مصاديق هذه المذكورات ؛ أي : الابتداء والشّروع في الإيجاد والإنشاء والاختراع والإبداع . وهذا هو المراد في هذه الآيات الكريمة لا ما ذكروه من الإيجاد على نحو الإبداع والاختراع . لأنّ مفاهيمها مباينة لمفهوم البدء على ما صرّح به أهل اللّغة وعند أهل اللّسان . لأنّ الإيجاد والإنشاء والإبداع قد يكون أزليّا بأزليّة فاعله وبعلّته الأزليّة . وهذا هو المراد عندهم . وهو الّذي أوقعهم في هذا التأويل وفي معنى البدء . وكذلك معنى العود في هذه الآيات الكريمة ، ليس هو الإنشاء بعد الإنشاء ، على ما ذكروه ، وخاصّة في عود بدن الإنسان الميّت المقبور المتشتّت في التراب . قال تعالى :
« قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ . قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ . »
( يس / 78 و 79 )
« أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً . أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى . ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى . فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى . أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى » .
( القيامة / 36 - 40 )
« قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ . مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ . مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ . ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ . ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ . ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ » .
( عبس / 17 - 22 )
« اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ » .
( الروم / 11 )
« قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ » .
( يونس / 34 )
« إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ » .
( يونس / 4 )
فتحصّل أنّ تأويل البدء والإعادة بالإنشاء المتّصل المتسلسل في القوس الصّعوديّ ، تأويل ضعيف وتحميل عنيف على القرآن الكريم . فلا سبيل في تفسير