تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 335

مساهمون:

ص٣٣٥
« وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » .
( الروم / 27 ) ومحصّل مفاد جميعها أنّ اللّه - سبحانه - خلق الخلق ابتداء . والخلق كلّه بدئ - أي : إنّ للخلق كلّه بدءا فهو مبتدأ - بمعنى المفعول . واللّه - سبحانه - هو المبدئ والمعيد . ومعنى البدء والابتداء في الخلق ، هو نفي الأزليّة عنه وتفرّده وتوحّده - سبحانه - بالأزليّة وتوقّف الخلقة بإذنه عن سلطانه ومالكيّته . وقد فسّر بعض من الفلاسفة البدء بمعنى الإيجاد . قال الفيض ( قده ) في كتابه علم اليقين 1 / 137 في شرحه على الأسماء الحسنى للّه تعالى - نقلا عن بعض العرفاء - : « المبدئ المعيد معناه : الموجد . لكنّ الإيجاد إذا لم يكن مسبوقا بمثله سمّي إبداء وإذا كان مسبوقا بمثله سمّي إعادة . أقول : تأويل الإعادة بالإيجاد الّذي يكون مسبوقا بمثله ، تأويل بارد لا شاهد له بحسب اللّغة والكتاب والسنّة . وإنّما يريدون بذلك الفرار عن القول بعود الإنسان الميّت وتجديد حياته بالحياة الثانوية بعد اندراسه . وقد صرّحوا بأنّ الإعادة الّتي في الكتاب والسنّة هي الإنشاء بعد الإنشاء وكمال بعد النقص حتّى ينتهي إلى كماله النهائيّ ، وأنّ اللّه تعالى بدأ خلق النّاس ثمّ هو الّذي يعيدهم - أي : يحشرهم - والأشياء كلّها منه بدت وإليه تعود ، به بدت وبه تعود . وقال بعضهم في تفسير قوله تعالى :
« وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ »
( الروم / 27 ) : بدء الخلق إنشاؤه ابتداء من غير مثال سابق . والإعادة إنشاء بعد إنشاء . وقال أيضا في قوله تعالى :
« أَ وَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ »
( العنكبوت / 19 ) : والمعنى : أو لم يروا كيفيّة الابتداء ثمّ الإعادة ؟ ! أي إنّهما من سنخ واحد ، وهو إنشاء ما لم يكن . وقوله :
« إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ »
الإشارة فيه إلى الإعادة بعد الإبداء . وفيه رفع الاستبعاد . لأنّه إنشاء بعد إنشاء ، إذ كانت القدرة المطلقة تتعلّق بالإيجاد ، فهي جائزة التعلّق بالإنشاء بعد الإنشاء . وهي في الحقيقة نقل الخلق من دار إلى دار وإنزال للسائرين إليه في دار القرار .