وتوصيف النّار بأنّها ذات وقود ، تفخيما لأمرها وتهويلا من إفزاعها وإحراقها ، أو لبيان أنّ من النّار ما لا وقود لها مثل النّار الكائنة في بعض الأحجار .
ولا يخفى أنّ قوله تعالى :
« قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ »
التعبير بلفظ الماضي بعد القسم فيه ، تأكيد ومبالغة في تحقّق دعائه - سبحانه - عليهم ومفاد إخباره في حقّهم من وقوع بأسه وبطشه الشّديد على هؤلاء الكفّار المعاندين .
قوله تعالى :
« إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ
( 6 ) » .
القعود جمع قاعد ؛ مثل سجود في قوله :
« وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ » .
( البقرة / 125 ) أي :
إنّ أصحاب الأخدود القاتلين للمؤمنين على النار ؛ أي : على حافّتي النّار وجوانبها قاعدين . فعبّر عن القعود في أطرافها بالقعود عليها ؛ مثل قوله تعالى :
« وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها » .
( مريم / 71 ) ومثل قوله تعالى :
« وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ » .
( القصص / 23 )
قوله تعالى :
« وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ
( 7 ) » .
أي : إنّ أصحاب الأخدود قعدوا على أطراف النار ، والمؤمنون بين أمواج النار بمنظر ومرأى منهم ، يشاهدونهم ويرونهم أنّهم في النار يحرقون ويعذّبون ، صابرين على ما أصابهم في جنب اللّه . والظّاهر أنّ الجملة سيقت لتهويل الأمر وسوء الموقف وشدّة القسوة في قلوب العصاة والجناة .
وسوق القصّة من أوّلها إلى آخرها ، للتذكير والإرشاد للمؤمنين بالصّبر والثبات والاستقامة في شدائد الدهر وعلى مصائب الزمان والتحرّز والتحذّر عن الفشل والوهن عند تراكم الفتن والاقتداء بسيرة الصّالحين والاهتداء بهدى المتّقين السّابقين .
في نور الثقلين 5 / 547 ، عن روضة الكافي مسندا ، عن جميل بن درّاج ، عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام - قال :
« قد كان قبلكم قوم يقتلون ويحرقون وينشرون بالمناشير وتضيق عليهم الأرض برحبها ، فما يردّهم عمّاهم عليه شيء ممّا هم فيه ، من غير ترة وتروا من فعل ذلك بهم ولا أذى ؛ بل ما نقموا منهم إلّا أن يؤمنوا باللّه