فالمتحصّل في المقام في هذه الآيات الكريمة والروايات المباركة : إنّ القدر المتيقّن في معنى الشاهد والشهيد فيها هو اللّه - سبحانه - والمشهود فيها من عظائم الأمور - مثل القيامة ونظائرها - وكذلك الأنبياء والرسل والصّديقين والملائكة الكرام والحفظة الكاتبين لأعمال العباد . ولا بأس بالأخذ بمفاد جميعها إذا كانت الروايات الواردة في هذا الباب واجدة لشرائط الحجّيّة لأخبار الآحاد في أمثال المقام ، لا من باب الأخذ بالإطلاق من لفظ الشاهد والشهيد ، بل يجوز الأخذ بالجميع مع القول بتباين الشهداء والشهادة والشهود على نحو يناسب ذلك الشهيد . ضروة أنّ هذه الآيات والروايات كلّها مثبتات ، وثبوت شيء لا ينافي ثبوت ما سواه . فلا محصّل للتنافي بين مثبت ومثبت . وإنّما التنافي بين المثبت والنافي .
فلا احتياج للتعرّض إلى الأقوال المذكورة في تفسير هذه الآية الكريمة وما في سياقها من الآيات والروايات .
قوله تعالى :
« قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ
( 4 ) » .
بيان : هذا متعلّق للقسم . والجملة المباركة دعاء من اللّه - سبحانه - على أصحاب الأخدود بالهلاك والبوار الدائم وباللّعنة الخاذلة - مثل قوله تعالى :
« قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ »
( عبس / 17 ) - أو إخبار منه تعالى بهلاك أصحاب الأخدود . فإنّ إخباره تعالى بهلاكهم عين حكمه تعالى ومشيّته النافذة على هلاكهم وبوارهم وتدميرهم ؛ مثل قوله تعالى :
« إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ » .
( الكوثر / 3 )
وأصحاب الأخدود الّذين عملوا الأخدود والحفر وأشعلوا فيها النار لإحراق الموحّدين المؤمنين . قال في اللّسان 3 / 160 : الأخدود : الحفرة تحفرها في الأرض مستطيلة .
قوله تعالى :
« النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ
( 5 ) » .
قيل : إنّ النار - بكسر الراء - بدل اشتمال من الأخدود . والوقود - بضمّ الواو وفتحها - : اشتعال النار . أي : النار المشتعل . وقد يستعمل الوقود - بالفتح - في الحطب كما في قوله تعالى :
« فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ » .
( البقرة / 24 )