تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 322

مساهمون:

ص٣٢٢
المشهود . والفرق بينهما هو الفرق بين هيئة فاعل وفعيل . فالأوّل موضوع لحدوث النسبة من دون عناية إلى حيث الثّبوت والدوام ؛ والثاني بعناية الحدوث والدوام . فعليه يكون تعالى شاهدا وشهيدا لأعمال العباد ولكلّ ما يعلم من السرّ والعلانية ، وشاهدا لما خفي من الكتبة والحفظة أيضا . وكذا الكلام في الملائكة الحفظة والرسل والحجج الّذين هم شهداء دار الفناء وشفعاء دار البقاء أيضا . قال تعالى :
« وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً » .
( البقرة / 143 ) وقد بسطنا الكلام في تفسير الآية الكريمة في سورة البقرة وحاصله : إنّ المراد من الأمّة الّتي جعلهم اللّه تعالى وسطا - أي : خيارا وجيادا مصونة عن الإفراط والتفريط - هي الأمّة الخاصّة الفاضلة القدّيسة . وإنّما جعلهم اللّه وسطا ليكونوا شهداء على أعمال الناس . وقد أكرمهم اللّه تعالى بتحميلهم العلم على أعمال العباد ، فلا محالة يكونون شهداء دار الفناء يرون أعمال الناس عن عيان وحضور . كما أنّه تعالى جعل الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - شهيدا ومراقبا على هؤلاء الشّهداء الكرام في تربية النّاس وتزكيتهم وسوقهم الناس إلى مراتب الكمال والصّلاح وتعليم المعارف الحقّة الحقيقيّة . والآية الكريمة نظير قوله تعالى :
« مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ » .
( الحجّ / 78 ) وهذه الآية الكريمة أدلّ وأوضح في المعنى الّذي استظهرناه من الآية السابقة . قال تعالى :
« وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً » .
( النحل / 84 ) وقال تعالى حكاية عن عيسى الصدّيق - عليه السّلام - : «
وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ