وهذا الارتكاب على سبيل التّناوب الطوليّ ، بحسب السيّئات الّتي ارتكبوها ، وبحسب المرتكبين أيضا ؛ وإلّا لاختصّ الخطاب بقرن النّزول وبقرن واحد ولا يتحقّق طبقا عن طبق وحالا عن حال . وسنزيد ذلك توضيحا - إن شاء اللّه .
والظّاهر من عنوان طبقا عن طبق أنّ فيه عناية المطابقة والمشاكلة في الجملة بين الطّبقتين في المعنى المراد منهما وبحسب المكذّبين . فالّذين كذّبوا رسلهم ، إنّما هو مكذّب بعد مكذّب وتكذيب بعد تكذيب ، يرثه كاذب بعد كاذب وفاسق بعد فاسق . وكذلك المنافقون يحذون حذو الكفّار ؛ قد أفسدوا بعد الإصلاح وظلموا بعد تثبيت العدالة ، قرنا بعد قرن ، وأحدثوا في دين اللّه من الفتن والبدع والتّغيير والتّبديل وقتل الصّالحين والصدّيقين لصلاحهم وصدقهم ، ولم تؤثّر فيهم هداية الهادين وإرشاد المذكّرين وإصلاح المحسنين إلّا لجاجا وعنادا . فالآخرون منهم يتبع الأوّلون ، منافق بعد منافق وسيرة بعد سيرة وسنة بعد سنّة . فنعم الحكم اللّه تعالى . وكفى به حاكما وخصيما .
وفي الجوامع / 535 قال : وعن مكحول : لتحدثنّ أمرا لم تكونوا عليه في كلّ عشرين سنة . وعن أبي عبيدة : لتركبنّ سنن من كان قبلكم من الأوّلين وأحوالهم . وروي ذلك عن الصّادق - عليه السّلام .
وفي الصّافي / 561 قال : وفي الإكمال ، عن الصّادق - عليه السّلام - :
« لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ » ؛
أي : سير من كان قبلكم .
في نور الثقلين 5 / 539 ، عن الاحتجاج ، عن أمير المؤمنين - عليه السّلام - في حديث يقول - عليه السّلام - فيه :
« وليس كلّ من أقرّ أيضا من أهل القبلة بالشهادتين كان مؤمنا . إنّ المنافقين كانوا يشهدون أن لا إله إلّا اللّه وأنّ محمّدا رسول اللّه - صلّى الله عليه وآله - ويدفعون عهد رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - بما عهد به من دين اللّه وعزائمه وبراهين نبوّته إلى وصيّه ، ويضمرون من الكراهية لذلك والنقض لما أبرمه عند إمكان الأمر لهم فيه ما قد بيّنه اللّه لنبيّه ؛ مثل قوله :
« لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ » ؛
أي لتسلكنّ سبيل من كان قبلكم من الأمم