تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 314

مساهمون:

ص٣١٤
وإمّا إلى النّار . ويدخل في هذه الجملة الأحوال الّتي تعرض الإنسان من بدء تكوينه نطفة إلى استقراره وخلوده في الجنّة أو في النّار . الثاني أن يكون المراد : انّ الناس يلقون يوم القيامة شدائد وأحوالا - أي : حالا بعد حال وشدّة بعد شدّة - إلى أن يفرغ اللّه من حساب الخلائق . الثالث : إنّ الناس يوم القيامة تبدّل أحوالهم على خلاف ما كانوا في الدنيا . فإنّ القيامة خافضة رافعة ؛ تذلّ العزيز وتعزّ الذّليل . الرابع : الظّاهر من كلام بعض المفسّرين : إنّ المراد في قوله :
« طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ » ؛
أي : مرحلة بعد مرحلة ، إنّما هو تحوّل نشأة بعد نشأة . كما زعم ذلك أيضا في قوله تعالى :
« إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ » .
قال : إنّ هذه الأقسام المذكورة تأييد لقوله تعالى :
« يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ . . . »
ولما بعده من نبأ البعث . الخامس أن يكون المعنى : لتركبنّ سنّة الأوّلين ممّن كان قبلكم ، بالتكذّيب بالنبوّة والقيامة . وهذا الوجه قريب ممّا ذكرناه . والفرق بينه وبين الوجه الّذي ذكرناه : إنّ هذا مختصّ بارتكاب الأمّة الإسلاميّة ما ارتكبه الأمم السّابقة . وما ذكرناه على وجه العموم ، أي في ارتكابهم ما ارتكبه الأمم السّابقة وفيما ارتكبه المنافقون من هذه الأمّة والفاسقون منافق بعد منافق وفاسق بعد فاسق . بل فيه إشعار بأنّ هذه السنّة السيّئة جارية في الأمم السّابقة ، يرتكبون السيّئات طبقا عن طبق . أقول : أمّا الوجه الأوّل - أي : تحوّل ذات الإنسان من بدء تكوّنه نطفة وتقلّب الحالات التكوينيّة عليه طبق السنّة المقرّرة الإلهيّة في الدّنيا وما بعدها من منازل الآخرة المادّيّة إلى أن يستقرّ أمره إلى الخلود في الجنّة أو في النّار - فيرد عليه أنّ السّير الطبيعيّ من أفعاله - سبحانه - الحكيمة ليس فيها حكم تكليفيّ للإنسان - لا عقلا ولا شرعا - كي يعاتب بعصيانه بهذا الوجه . وأجنبيّ عن مفاد الآية الكريمة . أمّا الوجه الثاني - أي : إنّ النّاس يلقون في الدّنيا شدائد وأحوالا طبقا عن طبق - فيرد عليه ما يرد على الوجه الأوّل . فإنّ ابتلاء الإنسان بهذه الشّدائد والأحوال - نعمة كانت أو نقمة - ليس لها حكم شرعيّ تكليفيّ كي يؤاخذ بعصيانه .