وكذلك الوجه الثالث - أي : إنّ القيامة يبدّل اللّه فيها أحوال الخلق على خلاف ما كانوا عليه في الدّنيا من عزّة ذليل في الدّنيا وذلّة عزيز فيها - فيرد عليه مضافا إلى ما ذكرنا في الوجهين الأوّلين ، أنّه لا بدّ من المماثلة والمشاكلة بين الطّبقتين ، والمخالفة ، والمباينة تخالف معنى المطابقة .
وأمّا الوجه الرابع ؛ فإن كان مراد القائلين ما ذهب إليه أعلام المتصوّفة من التكامل بالحركة الجوهريّة والسّير إلى اللّه - سبحانه - بالمعنى الّذي أرادوه ، ففيه أنّ الفرّضية الّتي ذكروها ، لا دليل على صحّتها . فإنّ تأويل الآخرة الواردة في الكتاب والسنّة بالمثال المنفصل المجرّد عن المادّة دون الكمّ ، بانشاء النّفس إيّاها في الوعاء المناسب لها ، غير جائز ؛ لصراحة الكتاب والسنّة في أنّ عالم الآخرة نشأة مادّيّة من أوّله إلى آخره من نعيمه وعذابه . ومع قطع النظر عمّا ذكرنا ، يرد عليه ما يرد على الوجوه السّابقة من أنّ هذه الحركة أمر طبيعيّ من أفعاله تعالى ، لا من باب أفعال الخلق عملا واعتقادا . فإنّ القرآن الكريم والسّنن المتواترة يتأبّيان عن تحميل هذه الفرضية الواهية على نصوصها ومحكماتها .
قوله تعالى :
« فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
( 20 ) » .
الآية في سياق الآية الّتي قبلها مسوقة لتقريعهم والإنكار عليهم في ارتكابهم التكذيب باللّه وبما جاءت رسله ودلّت عليه كتبه ، سيّما القرآن الكريم .
قوله تعالى :
« وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ
( 21 ) » .
أي : إنّ القرآن الّذي فيه الأدلّة الباهرة على ألوهيّته تعالى وتوحيده وصحّة دعوة رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - لا يخضعون في قباله ولا يعترفون بصدقه . قال في لسان العرب 3 / 206 : كلّ من ذلّ وخضع لما أمر به فقد سجد .
ولا دلالة في الآية على وجوب السّجدة المتعارفة عند قراءة العزائم أو في الصّلاة ؛ لقيام الضرورة على عدم وجوب السّجدة عند قراءة كلّ واحد من آيات القرآن على نحو العموم ؛ ولا دليل على تخصيص قوله تعالى :
« الْقُرْآنُ »
بالعزائم الّتي يجب فيها السّجدة . ولا دليل أيضا على تخصيص إطلاق قوله تعالى :
« لا يَسْجُدُونَ »
بأنّ المراد به