النار أو شوّاه فيها . والآيات في هذا السّياق كثيرة في القرآن الكريم . قال تعالى :
« تَصْلى ناراً حامِيَةً » .
( الغاشية / 4 )
« فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى . لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى » .
( اللّيل / 14 و 15 )
وأمّا القراءة بضمّ اليّاء وتشديد العين من باب التفعيل ، فلا يصحّ الاستشهاد بها في تفسير هذه الآية الكريمة بمثل قوله تعالى :
« فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ . وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ » .
( الواقعة / 93 و 94 ) وقوله تعالى :
« خُذُوهُ فَغُلُّوهُ . ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ » .
( الحاقّه / 30 و 31 )
وكذلك لا يجوز الاستشهاد بما ورد في القرآن المجيد بضمّ الهمزة وكسر العين من باب الإفعال مثل قوله تعالى :
« سَأُصْلِيهِ سَقَرَ » .
( المدّثّر / 26 ) وقوله تعالى :
« وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً » .
( النساء / 30 )
فاتّضح ممّا ذكرنا أنّه يجب التفكيك بين ما استعمل مجرّدا أو ما استعمل مزيدا في القرآن الكريم وإعطاء كلّ واحد من هذه الأبواب ما يستحقّه من إفادة المعنى صيانة للقواعد المقرّرة في التصريف . والظّاهر أنّ المجرّد منها ، مثل الآية المبحوثة ، يتعدّى إلى مفعول واحد ؛ والمزيد إلى مفعولين . ولا يجوز الخلط بين هذه الأبواب والاستشهاد في تفسير الآية الكريمة بما استعمل مزيدا من باب الإفعال أو التفعيل ، كما فعله الرازيّ في تفسيره 31 / 107 .
قوله تعالى :
« إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً
( 13 ) » .
أقول : الظّاهر أنّ هذه الجملة بمنزلة التعليل لما دلّت عليه الآية السابقة من حلول نقمته تعالى وبأسه الشّديد بساحة هذا المجرم الكافر ، لأنّه كان في الدنيا بين أهله مسرورا ، سرور المتهاونين بأمر الآخرة ، لانغماره في الشّهوات والمعاصي ، مكبّا على الدّنيا لاعبا بها ؛ فهو يضحك إلى الدنيا ، والدنيا تضحك إليه .
قوله تعالى :
« إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ
( 14 ) » .
الحور : الرّجوع . وهذه الآية بمنزلة التعليل أيضا لما تقدّم من هوان الكافر عند الحساب وبعده ؛ إلّا أنّ هذا التعليل الثاني أقوى تأثيرا في تنكيل هذا المجرم . لأنّ الأوّل حاك عن أعماله وجناياته ؛ والثّاني حاك عن عقيدته وأنّه كان لا يؤمن بالمعاد