السابقة . كيف ؟ ! فمنهم من لا يعرف موطن قدمه ! ومنهم من لا تقبل شهادته على حزمة بقل ! فليت شعري كيف رضي هذا القائل بأنّ اللّه - سبحانه - يشهد الأراذل والجهّال من هذه الأمّة على أعمال من تقدّم من الأمم ؟ ! وكيف يشهدون مع جهلهم وغباوتهم ؟ !
فتعيّن أنّه تكون هذه الشّهادة من سنخ شهادة الرسول - صلّى اللّه عليه وآله - على هؤلاء الشّهداء . وتعيّن أنّ هؤلاء الشّهداء لا بدّ أن يكونوا من العارفين والحاملين لعلوم الدين - أسرارها وأغوارها ومعارفها وأحكامها - حاملين لعرش العلم وشاهدين أفراد النّاس وأعمالهم .
وخلاصة القول في المقام : إنّ الوسطيّة الّتي جعلها اللّه - سبحانه - لهذه الأمّة الفاضلة الوسطى وأكرمهم بها هي الأعدليّة . وإنّها لا تتحقّق إلّا بالعلم الراسخ والعمل الصّالح . فتكون الوسطيّة في مرتبة العلّة لكونهم شهداء على النّاس . أو يقال :
إنّ الوسطيّة - أي : الأعدليّة - لا تنفّك بالملازمة القطعيّة من إفاضة العلم من اللّه - سبحانه - وتأييده تعالى هذه الأمّة الفاضلة الوسطى بروح القدس حتّى يصيروا عالمين وعارفين بالناس وأعيانهم ، والشّاهدين على أعمالهم بحقيقة العيان والعرفان .
ولا يخفى على الباحث الخبير أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - كما كان شهيدا على هذه الأمّة الوسطى ، كان شهيدا أيضا على النّاس أجمعين . إذ لا منافاة بين شهادة وشهادة . لأنّه لا تنافي بين مثبت ومثبت . ونظير هذه الآية قوله تعالى :
« وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ » .
( الحجّ / 78 )
والآيات في هذا الباب كثيرة في القرآن الكريم يصدّق بعضها بعضها ويشهد بعضها على بعض .
فالمتحصّل المستفاد في هذا الباب : إنّ شهيد كلّ أمّة رسولها . وشهيد هذه الأمّة رسول اللّه وأوصياؤه الصدّيقون من ذرّيّته - سلام اللّه عليهم . فهم شهداء