دار الفناء وشفعاء دار البقاء .
إذا تقرّر ذلك فنقول : لا منافاة بين هذه الآيات الكثيرة الدالّة على أنّ الملائكة الكاتبين والأنبياء والرّسل المكرّمين ونبيّنا وذرّيّته - صلوات اللّه عليهم أجمعين - شهداء على الناس أجمعين وبين ما رواه في البحار 7 / 260 عن كتاب الحسين بن سعيد عن أبي جعفر - عليه السّلام - قال : « إنّه إذا كان يوم القيامة وحاسب اللّه عبده المؤمن ، أوقفه على ذنوبه ذنبا ذنبا ثمّ غفرها له . لا يطلع على ذلك ملكا مقرّبا ولا نبيّا مرسلا » ونظائرها . ضرورة أنّ هذه الشّهادة في مقام تحمّل الشّهادة ؛ وفي مرتبة أدائها دعوا وأحضروا للشّهادة في مرحلة القضاء والحكم والمناقشة والمداقّة . فأيّ منافاة بين أن يغفر تعالى لعبد من عباده من غير محاكمة وغير إحضار الشّهود وبين أن يغفر له بعد المحاكمة وإحضار الشهود ؟ ! وبعبارة أخرى : هذه الرّوايات بمنزلة التّخصيص لهذه العمومات والمطلقات الدالّة على شهادة المقرّبين من عباده المكرّمين على أعمال العباد . فالواجب على المفسّر إحراز صلاحيّة هذه الرّوايات بصلاحيّة التّخصيص . وإن صلحت ، تخصّصت أدلّة الشّهادة بها . وإلّا ، فلا . واللّه الهادي .
المسألة الثالثة : الظّاهر أنّ الحساب إنّما هو على أعمال العباد من حيث مخالفة الحكم التكليفيّ
، واجبا كان أو حراما . وأمّا الحساب على ما أكل وشرب من النّعم الحلال بالكسب المشروع ، فقد روى جنادة ابن أبي أميّة عن الحسن المجتبى - عليه السّلام - ما خلاصته : إنّ في حلال الدنيا حسابا وفي حرامها عقابا . ففيه كلام سيأتي استقصاء البحث فيه في تفسير قوله تعالى :
« لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ »
في سورة التكاثر .
قوله تعالى :
« وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ
( 10 ) » .
بيان : الظّاهر بقرينة قوله تعالى :
« إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ »
أنّ المراد من هذا المجرم هو الكافر ومن لا يؤمن بالحشر والرّجوع إليه - سبحانه . والآية الكريمة ظاهرة الدلالة على أنّ هذا المجرم يؤتى كتاب عمله من وراء ظهره إلّا أنّها ساكتة عن بيان كيفيّته . والوجوه الّتي أوردها الرازيّ عن المفسّرين في تفسيره 31 / 106