بيان : قال في لسان العرب 3 / 238 : الشهيد : . . . والأمين في شهادته . . . والّذي لا يغيب عن علمه شيء . والشهيد : الحاضر .
أقول : شهد قد استعمل في مورد علم وعرف . وحيث إنّ فيه معنى الحضور فالعناية الفارقة بين علم وشهد أنّ شهد هو العلم عن عيان وحضور . وإطلاق الشّاهد على من يخبر بعلمه في موقف القضاء ، باعتبار علمه وعيانه في مرتبة التحمّل في مورد الشّهادة والحادثة المشهودة الّتي يخبر عنها .
وفي لسان العرب 7 / 430 : وسط الشيء وأوسطه : أعدله . . .
« وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً »
قال الزجّاج : فيه قولان . قال بعضهم : وسطا عدلا وقال بعضهم : خيارا .
أقول : ليس المراد من الجعل في المقام هو الخلق ؛ أي : خلق ذوات هذه الأمّة الوسطى . ضرورة أنّ المجعول هو الوسطيّة وهي في مرتبة المحمول وفي مرتبة متأخّرة بعد مرتبة تحقّق ذواتهم ؛ مثل قوله تعالى :
« جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا »
( فاطر / 1 ) وقوله تعالى :
« جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً » .
( البقرة / 30 ) وصريح الآية الكريمة أنّها فعل محقّق مجعول من قبل اللّه في حقّ الأمّة . أي : جعلناكم أمّة عدلا خيارا جيادا . فلا يجوز أن يقال : إنّ الوسطيّة نعت للدّين والشريعة ؛ أي : إنّهم لو عملوا بهذا الدّين الوسط ، لكانوا شهداء على النّاس . وليس المراد أنّه نعت شأنيّ للأمّة ؛ أي : لو عملوا بهذا الدّين ، لكانوا شهداء .
فإن قلت : فكيف تكون وسطيّة الأمّة سببا تكوينيّا لأن يكونوا شهداء .
قلت : ليس ما به الوسطيّة والأعدليّة إلّا بعين ما يصيرون به شاهدين ؛ وهو العلم والعرفان . ضرورة أنّ من يؤدّي الشّهادة في موقف القضاء ، لا بدّ أن يكون متحمّلا وعارفا بمورد الشّهادة .
فإن قلت : فعلى هذا لا بدّ أن يكون المراد من الأمّة عدّة خاصّة .
قلت : نعم ؛ إذا كان الوسطيّة علّة للشّهادة على جميع الأمّة الإسلاميّة - كما أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله شهيد على هؤلاء الشهداء الصدّيقين - فلا يعقل أن يكون المراد من الشهداء أنّ جميع الأمّة الإسلاميّة يشهدون على جميع الأمم