نعم ؛ الروايتان الشريفتان حيث إنّهما نافيتان للحساب والميزان في حقّ الكفّار والمشركين ، بقي التنافي بينهما وبين الآيات والرّوايات الدالّة على ثبوت الحساب على الكفّار أيضا .
فمن الرّوايات المعارضة لهاتين الروايتين ما رواه في البرهان 3 / 61 ، عن الاحتجاج ، عن أمير المؤمنين - عليه السّلام - في حديث له مع الزنديق في جواب مسائله ، قال - عليه السّلام - :
« وأمّا قوله :
« وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً »
فهو ميزان العدل ، يؤخذ به الخلائق يوم القيامة . يدين الله تعالى بعضهم من بعض ويجزيهم بأعمالهم ويقتصّ للمظلوم من الظّالم . ومعنى قوله :
« فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ »
و
« مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ »
فهو قلّة الحساب وكثرته .
والنّاس يومئذ على طبقات ومنازل . فمنهم من يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا . ومنهم الّذين يدخلون الجنّة بغير حساب ، لأنّهم لم يتلبّسوا من الدنيا بشيء . وإنّما الحساب هناك على من تلبّس بها هاهنا .
ومنهم من يحاسب على النقير والقطمير ويصير إلى عذاب السعير أئمّة الكفر وقادة الضلال . فأولئك لا يقيم لهم يوم القيامة وزنا ولا يعبأ بهم - لأنّهم لم يعبؤوا بأمره ونهيه - يوم القيامة . فهم في جهنّم خالدون تلفح وجوههم النّار . وهم فيها كالحون . »
وأمّا الآيات ؛ منها ما قال تعالى :
« لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ » .
( الرّعد / 18 )
بيان : الآية الكريمة ناصّة على أنّ الّذين لم يستجيبوا له - سبحانه - ولم يؤمنوا به ولم يعبؤوا بدعوته الحقّه ، لهم من اللّه الحساب السّوء لا يتخلّصون منه . فقد هدّدهم بسوء الحساب ، ثمّ هدّدهم أنّ مقرّهم ومهادهم جهنّم . وبئس المقرّ والمهاد .