خافوا أن يجور عليهم أو يظلمهم ؟ ! لا والله ! خافوا الاستقصاء والمداقّة .
وفيه أيضا في حديث آخر أنّ أبا عبد اللّه - عليه السّلام - قال لرجل شكاه بعض إخوانه :
ما لأخيك فلان يشكوك ؟ فقال : أيشكوني أن استقصيت حقّي ؟ ! قال :
فجلس مغضبا . ثمّ قال : كأنّك إذا استقصيت لم تسئ ؟ ! أرأيت ما حكى اللّه - تبارك وتعالى - :
« وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ » ؟ !
أخافوا اللّه أن يجور عليهم ؟ ! لا واللّه ! ما خافوا إلّا الاستقصاء . فسمّاه اللّه سوء الحساب . فمن استقصى ، فقد أساء .
بيان : سوء الحساب بمعنى الحساب السّوء . وكون الحساب سوءا باعتبار معناه المصدريّ . وحيث إنّ إعماله وصدوره من اللّه - سبحانه - من باب العدل ، فيكون جميلا حسنا بالضّرورة . ومقابلة السوء بالحسن ، مثل مقابلة الشرّ بالخير . كما أنّ سطواته ونقماته على أعدائه شرّ بالنسبة إليهم وحسن جميل من اللّه - سبحانه - يحمد ويمجّد على ذلك .
وهنا مسائل :
المسألة الأولى : هل يحاسب اللّه الكفّار أو يدخلهم النّار بغير حساب ؟
قال تعالى :
« وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ » .
( الأنبياء / 47 )
بيان : أخبر تعالى أنّه يضع يوم القيامة الموازين العادلة ، ليعلم النّاس مقدار ما عملوا من الحسنات والسيّئات ويعلموا أنّ أيّ الكفّين من أعمالهم أثقل وأرجح . وليعلم المؤمنون المسيئون أنّه تعالى ما أراد في عذابهم فوق ما يستحقّون ؛ وإن عفا عنهم بعد ذلك ، فبرحمته وفضله . وليعلم المحسنون أنّه - سبحانه - ما نقص عمّا وعدهم من الثواب على حسناتهم تفضّلا ؛ وإن زاد على ذلك وضاعفها وأنماها ، أو بدّل بعضا