تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦
الطبع والرّين على القلوب والقساوة . كلّ ذلك من آثار الأعمال وبما كسبت أيدي الناس . ويعفو عن كثير . وهذا معنى محاسبته تعالى وسرعته فيها . قلت : ليس الكلام في المجازاة وأخذه تعالى عباده بذنوبهم أو إكرامهم بحسناتهم في الدنيا وبعدها . وإنّما الكلام في تفسير الاسم :
« سَرِيعُ الْحِسابِ »
وتفسير السّرعة والحساب وتعيين مورد الحساب . وأمّا القول بأنّ الحساب في القرآن بمعنى المجازاة في الدنيا وبعد الموت والمراد من سرعته عدم تأخيره ، فلا دليل لذلك . فليس الحساب والمجازاة حقيقة واحدة في القرآن ، لا مفهوما ولا مصداقا . ومرجع ذلك القول إلى تأويل الحساب بالمجازاة . وكذلك تأويل جميع الآيات الدالّة على سرعة الحساب بعدم تأخير المجازاة عن الوقت الصّالح له ، وأيضا تأويل جميع الآيات الدالّة على المجازاة بالحساب بالمعنى الّذي توهّموه . وفي الصافي / 61 في تفسير قوله تعالى :
« وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ »
( البقرة / 202 ) : يحاسب الخلائق كلّهم على كثرتهم وكثرة أعمالهم في مقدار لمح البصر ؛ كما ورد في الخبر . . . ولسرعة الحساب معنى آخر يجتمع مع هذا المعنى ويؤيّده . وهو أنّ اللّه يحاسب العبد في كلّ آن ولحظة ويجزيه على عمله في كلّ حركة وسكون ويكافئ طاعاته بالتوفيقات ومعاصيه بالخذلانات . فالخير يجرّ الخير . والشرّ يدعو إلى الشرّ . ومن حاسب نفسه في الدّنيا ، عرف هذا المعنى . ولهذا ورد : حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا . وهذا من الأسرار الّتي لا يمسّها إلّا المطهّرون . أقول : هذا مسلّم عند المتصوّفة . وحاصل كلامهم : إنّ
« سَرِيعُ الْحِسابِ »
و
« أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ »
من أسمائه تعالى الحسنى ؛ وإطلاقه يشمل الدّنيا والآخرة . فالحساب جار بكلّ ما عمل العبد حسنا أو سيّئا يجزيه تعالى جزاء وفاقا . ومرادهم من ذلك : إنّ لكلّ عمل حسن أثرا حسنا في الأنفس تلتذّ به . ولكلّ عمل سيّئ أثرا سيّئا في الأنفس متألّمة ومعذّبة به ؛ وخاصّة إذا صارت ملكة راسخة ؛ وخاصّة بعد ما انخلعت النفس وشاهدت ما في صحيفة ذاته وما انتقش وكتب في لوح نفسها . فالمراد من سرعة الحساب عندهم : إنّ اللّه لا يؤخّر جزاء عمل العبد عن الأجل الّذي أجّل له ، وعن الموقف الصّالح الّذي قدّر له . وإنّما يتأخّر ما تأخّر بعد درك الأجل
مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 296 | محمد باقر الملكي الميانجي