أعمال العباد عليه تعالى ، ليس لأجل الاستخبار عنها والاطلاع عليها ، وإنّما هو للاحتجاج عليهم ومجازاتهم بها عدلا أو فضلا . قال تعالى :
« يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ » .
( الحاقّة / 18 )
وهذا الموقف من أعظم مواقف الآخرة . فهو الموقف النهائيّ ، ثمّ بعده الهلاك أو النّجاة . في البحار 77 / 83 ، قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - :
« يا أبا ذرّ ، حاسب نفسك قبل أن تحاسب . فهو أهون لحسابك غدا . وزن نفسك قبل أن توزن . وتجهّز للعرض الأكبر ؛ يوم تعرض لا تخفى على اللّه خافية . »
أقول : لعلّ وجه التسمية بالعرض الأكبر : إنّ الإنسان من بعد إحضار الموت ومعاينة الحقائق الأخرويّة وأشخاصها ، يسير في مواقف الآخرة موقفا بعد موقف ، حتّى يصل موقف الحساب . وليس الإنسان بعد موته بحيث يهمل أمره ويلهى عنه ، بل له في كلّ موقف من تلك المواقف شأن يخصّه ؛ مثل المساءلة في القبر عن عقائده ومعارفه وإيمانه وإنكاره وإكرامه وإهانته . وهكذا في المواقف قبلها وبعدها حتّى موقف الحساب والتّفتيش عن أعماله بالدقّة والمناقشة عدلا ، أو بالصّفح والمسامحة فضلا .
قوله تعالى :
« أُوتِيَ كِتابَهُ . . . » .
الإيتاء هو الإقباض . و
« أُوتِيَ »
بصيغة المجهول وفاعله هو اللّه - سبحانه - أو الملائكة الموكّلون بأعمال العباد وكتّابها وهم الأمناء يؤتون هذه الكتب للعاملين في هذا الموقف . والآية الكريمة واضحة الدلالة على أنّ هذا الكتاب ليس عند العامل وفي قبضه ، بل يؤتاه ، رضي بذلك أو كرهه . والآيات الكريمة كلّها متّفقة الدّلالة على هذا المعنى . قال تعالى :
« وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ » .
( المؤمنون / 62 )
« وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ . كِراماً كاتِبِينَ » .
( الانفطار / 10 و 11 )
« وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً . اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً » .
( الإسراء / 13 و 14 )