قوله تعالى :
« يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً » .
بيان : قال في القاموس 1 / 245 : كدح في العمل - كمنع - : سعى وعمل لنفسه خيرا أو شرّا وكدّ . ووجهه : خدش أو عمل به ما يشينه .
أقول : قد اضطربت كلمات الأعلام في تفسير المقام . والوجه الحقيق أن يقال :
إنّ المعنى : يا أيّها الإنسان ، إنّ تعبك ونصبك في دار الدّنيا ، خيرا أو شرّا ، تتخطّى إلى منقلبك وتسير في جهدك وكدحك إلى مصيرك ومأواك . فلا محالة تلاقي ربّك وتسأل عن عملك . فأفادت الآية الكريمة أنّ الإنسان في تعبه ونصبه في الدنيا ، سائر إلى ربّه وقادم إلى لقائه تعالى .
وقد قيل : إنّ جواب قوله :
« إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ »
هو قوله :
« إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً » .
وفيه أنّ جواب أداة الشرط ومدخولها ، لا بدّ أن يكون ممّا يتفرّع ويترتّب على أداة الشرط . وكدح الإنسان وإفناء عمره بعد الكدح ، ليس مما يتفرّع من انشقاق السّماء .
وقيل : إنّ الجواب هو قوله :
« وَأَذِنَتْ لِرَبِّها » .
والواو زائدة .
وفيه انّ إطاعتها عين انشقاقها وليست ممّا يتفرّع من الانشقاق .
والظاهر أنّ الحقّ في الجواب ما ذكره الشيخ ( قده ) في تبيانه 10 / 308 . قال :
وجواب
« إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ »
محذوف . وتقديره : إذا كانت هذه الأشياء الّتي ذكرها وعدّدها ، رأى الإنسان ما قدّم من خير أو شرّ .
قوله تعالى :
« فَمُلاقِيهِ
( 6 ) » .
أي : إنّ التّخطّي بالكدح والجهد إلى ربّك ينجرّ ويتّصل إلى لقاء اللّه - سبحانه . فالكدح إلى الربّ في مرتبة متقدّمة على لقائه - كما هو الظّاهر من الآية الكريمة - بناء على أنّ الضّمير راجع إلى الربّ لا إلى الكدح واللّقاء المتفرّع من الكدح إلى الربّ متأخّر عنه . ويتفرّع من هذا قوله :
« فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ . . . » .
وحيث إنّ الظّاهر في الآية الكريمة هو التشويق للصّالحات والتّهديد بالسيّئات ، فيكون الظاهر من اللّقاء هو البعث للجزاء على الحسنات والمؤاخذة على