تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١
« حَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً » .
( الكهف / 47 )

بيان :

الأنسب بالمقام بقرينة قوله تعالى :
« وَحَشَرْناهُمْ »
هي القراءة المعروفة : « نسيّر » . والظّاهر من تسيير الجبال ، قلعها من أماكنها وبسّها في الجوّ . أو يسيّرها ويجعلها كثيبا ويهيلها ويسوّي بها شعاب الأرض وغدرانها ويجعلها مستوية بارزة لا عوج فيها ؛ لا جبال فيها ولا أشجار ولا غيرها ، بحيث لو قام ناظر في ناحية ، لا يجد مانعا من النظر إلى أبعادها . الأظهر هو الوجه الثاني . وأمّا القول بأنّ المراد من تسيير الجبال تسييرها إلى العدم ، فقول ساقط لا دليل عليه ؛ لما تقرّر في محلّه أنّ الأشياء عند بطلان تركيبها وصورها ، تردّ إلى أصلها الّذي خلقه اللّه ثمّ خلق جميع الأشياء منه . ولا يخفى أنّ المراد من خراب الدنيا وانحلال ما فيها من سمواتها وأرضيها وما فيهما من الأعيان والأجرام الانحلال التدريجيّ ، لا الانحلال الدفعيّ . كما أنّ إيجادها في ابتداء الخلق وتنظيمها ، كان على التدريج أيضا . وقد أشرنا إلى ذلك في تفسير قوله تعالى :
« أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها » .
( النازعات / 27 ) فعلى هذا يكون المراد من تسيير الجبال الأخذ في إبطالها وهدمها وتبديلها بأرض جديدة أخرى لا انهدامها بالكلّيّة . وسنزيد توضيحا لذلك في ذيل البحث - إن شاء اللّه . ولا يبعد أن يقال : إنّ الآية الكريمة لا دلالة فيها أزيد من سير الجبال فقط . وأمّا تفصيل السير ومقرّ ذلك السير ، لا بدّ أن يلتمس من الآيات الأخرى . ولعلّ المراد من الأرض البارزة ، هي أرض المحشر الّتي قد تبدّلت من الأرض السّابقة في الدنيا . واللّه العالم بحقائق كلامه . فالآية الكريمة نظير قوله تعالى :
« وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ » .
( القارعة / 5 )
« وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ » .
( التكوير / 3 ) فعلى هذا لا تنافي بين هذه الآيات وبين قوله تعالى :
« وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً »
( الحاقّة / 14 ) ؛ أي : انحلّتا دفعة واحدة .