قوله تعالى :
« وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ
( 27 ) » .
بيان : مزاج - ككتاب - مصدر بمعنى المفعول . والضّمير فيه راجع إلى الرحيق . أي : خليط ذلك الشراب وما يمتزج به من عين التّسنيم .
والظّاهر أنّ التسنيم اسم لعين في الجنّة . وكان مصدرا من قولهم سنّم تسنيما ، وسنّم بمعنى رفع وملأ . ولعلّ وجه التسمية بذلك بلحاظ أنّه أجود شراب أهل الجنّة وأعلاه . وسنزيد لذلك توضيحا في ذيل البحث - إن شاء اللّه .
وقيل : إنّ المراد من التّسنيم هو الارتفاع الحسّيّ . قال في القاموس 4 / 133 :
التسنيم ضدّ التسطيح ، وماء بالجنّة يجري فوق الغرف ، أو عين تتسنّم عليهم من فوق .
والتّسنّم : الأخذ مغافصة .
وقال الرازيّ في تفسيره 31 / 100 : سمّيت بالتسنيم الّذي مصدر سنّمه إذا رفعه . وإمّا لأنّها أرفع شراب في الجنّة . وإمّا لأنّها تأتيهم من فوق ؛ على ما روي أنّها تجري في الهواء مسنّمة فتنصبّ في أوانيهم . وإمّا لأنّها لأجل كثرة مائها وسرعته ، تعلو كلّ شيء تمرّ به وهو تسنيمه . أو لأنّه عند الجري يرى فيه ارتفاع وانخفاض فهو التسنيم أيضا .
أقول : هذه الوجوه أكاذيب لا استناد فيها إلى شيء من الدليل .
قوله تعالى :
« عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ
( 28 ) » .
هذه الجملة صفة للتّسنيم . وفي هذا التوصيف دلالة على ما ذكرناه في صدر البيان أنّه من أجود شراب الجنّة وأفضله لأنّها تختصّ بالمقرّبين . ومن هذه العين يمتزج بالرحيق الّذي هو شراب الأبرار لازدياد لذّة الرحيق أو لغرض آخر . وفيها دلالة على أنّ التسنيم اسم لعين بعينها . وأيضا دلالة أيضا على أنّ المقرّبين أعلى درجة من الأبرار ؛ وهؤلاء الكرام هم الأبرار المقرّبون .
وقيل في نصب « عينا » وجوه أظهرها أنّه منصوب بأعني المقدّر في مقام المدح - أي مدح التسنيم - أنّها تختصّ بالمقرّبين .