تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١
ومدافعة للقدرة والاختيار ؛ بل هي في طول القدرة ؛ والقدرة حاكمة عليها . ويستحيل أن يكون الكفر معلولا للخذلانات . وإنّما هو معلول للقدرة والاختيار . فإذا وقع الكفر والعصيان ، فيعلّل بالقدرة والاختيار . وهذا نظير التوفيقات والتأييدات للمؤمن المتّقي . فإنّها ليست في مرتبة القدرة والاختيار وعلّة للطّاعة والامتثال ؛ بل هي في طولها وتوجب سهولة أمر الطاعة للمؤمن . كما أنّ الخذلانات للكافر تقتضي هوان الكفر والعصيان عنده وتسهّل عنده ارتكاب أكبر المعاصي . فالطّاعة والامتثال في طول القدرة والاختيار في ظرف التوفيقات وفي مرتبة تحقّقها . وكذلك الكفر والعصيان ، بعد تحقّق الخذلانات ، معلول للقدرة والاختيار . فلو قام ألف مرجّح للطّاعة والامتثال ، فلمكان حكومة القدرة والاختيار على المرجّحات ، يستحيل أن تكون الطّاعة مستندة إلى المرجّحات ؛ بل الفعل والتّرك سيّان عند المكلّف بعد قيام المرجّحات أيضا . فإذا وقع الامتثال ، وقع عن قدرة وقصد تلك المرجّحات . وكذلك لو قام ألف مرجّح عند العاصي للمعصية ، كان الفعل والترك عنده سيّين . فإذا وقعت المعصية ؛ وقعت عن قدرة واختيار . فإن قلت : كيف يمكن الالتزام بحرمان الكفّار والمكذّبين عن معرفة ربّهم في الدّنيا والآخرة ؟ ! والآخرة ليست بدار حجاب ، بل المعارف فيها تصير معلومة . فعنت الوجوه ؛ وخضعت الرقاب ؛ واستكانت له الجبابرة ؛ ويعلمون أنّ اللّه هو الحقّ المبين . كما هو مفاد الآيات الكثيرة من القرآن . قلت : الآيات الدالّة على رين القلوب وضيق الصّدور ، ليس المراد منها زوال المعرفة وسقوط الحجّة وبطلان الفطرة الإلهيّة الّتي فطر اللّه الناس عليها . وإنّما المراد عروض الرين والظّلمة في قلوبهم ، وعدم التذكّر بما أودع اللّه في ذواتهم من ضياء الهدى ونور المعرفة . فليس فيهم من شرح الصّدور والطمأنية في القلوب والسكينة الإلهيّة الّتي أكرم اللّه بها أولياءه الصّالحين ولا يزالون يزدادون من فضل اللّه ما يشاء اللّه . وهذا أقصى الغايات . ولا بهجة ولا نعمة أعلى وأجلّ من هذه البهجة والنعمة .