من كان مكابرا لعقله ومخالفا للهداية الفطرية الّتي هداه اللّه - سبحانه - بها ، فهو أخبث الدوابّ وأضلّ من الأنعام . فلا محالة يخرج من ظلّ حماية اللّه - سبحانه - ويتسلّط عليه الشيطان ؛ ويخرجه من النّور إلى الظّلمات ؛ أي : من نور الفطرة الإلهيّة إلى أنواع من الظلمات - وخاصّة إذا كان الاعتداء والإثم بعد الإيمان والإسلام - فيكون كما قال اللّه تعالى :
« ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ » .
( الروم / 10 )
قوله تعالى :
« إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
( 13 ) » .
قال في القاموس 2 / 49 : الأساطير : الأحاديث لا نظام لها . جمع إسطار وإسطير - بكسرهما - وأسطور ؛ وبالهاء في الكلّ .
والمراد قصص الأمم الماضية ، افتراء على القرآن الكريم حيث قالوا :
« أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا » .
( الفرقان / 5 )
أو إنّ المراد أنّ القرآن من قبيل مقالات الأنبياء الماضين حيث قالوا في تكذيبهم :
« لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ » .
( النمل / 68 )
وكيف كان ، فرمي القرآن بأنّه أساطير الأوّلين ، تكذيب لجميع المعارف الإلهيّة ، شامل لجميع أنواع الكفر .
قوله تعالى :
« كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ
( 14 ) » .
بيان : قال في القاموس 4 / 230 : الرين : الطبع والدنس . ران ذنبه على قلبه رينا وريونا : غلب . وكلّ ما غلبك رانك وبك وعليك .
قوله : « كلّا » حرف ردع وزجر وإنكار لمقالات المكذّبين وأعمالهم . وتوضيح وبأنّ إنكارهم وتكذيبهم ، ليس لأجل أنّهم يعلمون ما لا يعلمه الناس ، بل لأجل أنّهم ارتكبوا ما لا يرتكبه الناس من اقتراف الآثام ، والاعتداء من الحقّ إلى الباطل ومن الصدق إلى الكذب ، وإصرارهم على إبطال الحقّ بالباطل والصّدق بالكذب . وقد أظلموا الدنيا على أهلها وصدّوا سبيل الحقّ على عباد اللّه . كلّ ذلك