تعيينها على أقوال : الأوّل : قال الكسائيّ وتابعوه : إنّها تكون بمعنى حقّا . الثاني : قال أبو حاتم وتابعوه : إنها تكون بمعنى « ألا » الاستفتاحيّة . الثالث : قال النضر بن شميل والفرّاء وتابعوهما : إنّها تكون حرفا بمعنى إي ونعم ؛ مثل قوله تعالى :
« وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ . كَلَّا وَالْقَمَرِ » .
[ المدثّر / 31 و 32 ]
أقول : لا ريب أنّ « كلّا » قد استعملت للرّدع والزجر . ولكن لا وجه للالتزام بأنّه لا معنى لها غير الرّدع وارتكاب التّأويل إذا لم تستعمل في مورد الردع . لأنّ ورودها في مورد « ألا » الاستفتاحيّة أيضا شائع ؛ كما ادّعاه ابن هشام .
وأمّا ورودها في مورد « حقّا » وفي مورد « نعم » ، فيتوقّف القول به على الاستقراء التامّ .
قال في المجمع 10 / 452 ، في تفسير الآية المبحوثة : عند أبي حاتم سهل « كلّا » ابتداء يتّصل بما بعده على معنى حقّا .
وقال في التّبيان 10 / 182 ، في تفسير قوله تعالى :
« كَلَّا وَالْقَمَرِ »
أي : حقّا . ثمّ أقسم بالقمر .
والباحث الخبير يظفر بأزيد ممّا ذكرنا من موارد استعمال كلّا في غير الرّدع .
إذا تقرّر ذلك ، ظهر أنّه لا مانع أن يقال في قوله تعالى :
« كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ »
: أي : ألا إنّ كتاب الفجّار . بل هو الظّاهر في الآية ؛ ولا يصحّ أنّ تكون « كلّا » ردعا وإبطالا لقوله تعالى :
« يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ » .
ولا وجه لارتكاب التأويل وإرجاع الرّدع إلى صدر السّورة بعد الفصل الطويل . هذا أوّلا .
وثانيا : أنّ الآيات الّتي بعد « كلّا » في شأن الكفّار وما قبلها في شأن فسقة المسلمين - ولعلّ في شأن غيرهم أيضا - ولا وجه للتأويل أصلا .
قوله تعالى :
« إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ
( 7 ) » .
بيان : قال في القاموس 2 / 107 : والفجر : الانبعاث في المعاصي والزّنا ؛ كالفجور فيهما . وفيه 4 / 233 : سجين . . . وكسكّين : الدّائم ، والشّديد ، وموضع فيه كتاب الفجّار ، وواد في جهنّم - أعاذنا اللّه تعالى منها - أو حجر في الأرض السّابعة .
في الكافي 2 / 4 ، مسندا عن أبي نهشل قال : حدّثني محمّد بن إسماعيل ، عن أبي حمزة